Defender Center for Human Rights

حقوق الإنسان في ليبيا: التقرير الفصلي الثاني لمركز مدافع لحقوق الإنسان 

باريس- .. يناير/ كانون الثاني 2021

التقرير الفصلي الثاني لمركز مدافع لحقوق الإنسان

(أكتوبر– ديسمبر 2020)

 

مقدمة

في 23 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، قام طرفا النزاع الليبي بتوقيع “اتفاق تام ومستدام لوقف إطلاق النار في ليبيا“، وذلك خلال اجتماع في مدينة جنيف برعاية الأمم المتحدة. كما انعقد ملتقى الحوار السياسي الليبي، وبدأت أولى جولاته في تونس في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، وكان ذلك بناءً على قرار مجلس الأمن رقم 2510 (2020)، الذي صادق على مخرجات مؤتمر برلين الدولي حول ليبيا، وقامت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا برعاية الحوار. ويُمثّل انعقاد ملتقى الحوار تطورًا بارزًا يحمل في طياته بعض الأمل في حل النزاع الليبي المتفاقم منذ سنوات، لكن في الوقت الذي كان فيه مركز مدافع يتابع فعاليات الحوار، متطلعًا إلى الإعلان عن خطوات ملموسة لإنهاء النزاع وبدء العملية السياسية والوقف الفوري لانتهاكات حقوق الإنسان – فوجئ المركز بتسريبات بشأن محاولات استخدام المال السياسي خلال فعاليات ملتقى الحوار السياسي؛ إذ تم تداول أنباء عن تورط بعض المشاركين في الملتقى في محاولة “شراء” الأصوات لمصلحة بعض المرشحين الطامحين في تولي مناصب في الحكومة والمجلس الرئاسي.

وقد أكدت ممثلة الأمين العام صحة التسريبات بهذا الشأن، وأعلنت عن اتجاه بعثة الأمم المتحدة إلى إجراء تحقيق إداري في هذا الشأن. وقد طالب مركز مدافع وعدد من المنظمات الحقوقية الليبية بالإفصاح عن نتائج التحقيق واستبعاد أعضاء الحوار – الذين يثبت تورطهم في محاولات إفساد نزاهة الحوار السياسي ونتائجه – من الجولات المقبلة للحوار وحرمان المرشحين المتورطين من الترشح لأي منصب في الحكومة والمجلس الرئاسي، ولكن البعثة لم تُعلن حتى الآن عن نتائج التحقيق الإداري، فيما تتواصل جولاته التي ترسم نتائجها مستقبل ليبيا.

وقد تم الاتفاق في ملتقى الحوار السياسي على خارطة طريق لإجراء انتخابات وطنية شاملة وديمقراطية وذات مصداقية، وذلك في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021. وفي 20 يناير/ كانون الثاني، عقدت اللجنة الدستورية، المؤلفة من مجلس النواب الليبي والمجلس الأعلى للدولة، اجتماعًا استضافته مصر، وتم الاتفاق خلال الاجتماع على إجراء استفتاء على الدستور قبل الانتخابات العامة المزمع عقدها في ديسمبر/ كانون الأول المقبل؛ مع الأخذ في الاعتبار أن ذلك يعتمد على مدى جدية الأطراف المشاركة في الحوار، فضلًا عن ضرورة تمتع الحوار بالنزاهة والشفافية والتخلي عن المصالح الحزبية والشخصية. وهذا ما يضع مسؤولية أخلاقية على بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، أمام الشعب الليبي الذي ينتظر نتائجَ التحقيق الإداري في محاولات الرشوة المزعومة، ومحاسبةَ من يثبت تورطه من الأعضاء، بالإضافة إلى إقصائهم عن الحوار الذي يرسم مستقبل ليبيا. ويتطلع مركز مدافع إلى أن يحرص يان كوبيش، المبعوث الأممي الجديد ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، على إعلان نتائج التحقيق في أقرب وقت ممكن.

ويرحب مركز مدافع بقرار مجلس حقوق الإنسان الصادر في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، والذي قام بتمديد ولاية بعثة تقصي الحقائق في ليبيا حتى سبتمبر/ أيلول 2021؛ لتتمكن البعثة من تقديم تقريرها إلى المجلس خلال الدورة 48. وإذ يشدد المركز على ضرورة توفير الدعم المادي والتقني للبعثة، ويدعو كافة الأطراف المعنية للتعاون معها لإنجاز مهمتها؛ فإنه – في الوقت نفسه – يجدِّد مطالبتَه للبعثة بالتشاور المستمر مع المنظمات الحقوقية الليبية، والاستجابةِ لتوصيات المركز وائتلاف منصة ليبيا التي قُدِمت للبعثة خلال العام الماضي.

مفوضية المجتمع المدني تواصل حصارها للجمعيات

في ظل تدهور أوضاع حقوق الإنسان والحريات في ليبيا؛ استمرت مفوضية المجتمع المدني في طرابلس، التابعة لحكومة الوفاق الوطني، في اتخاذ بعض الإجراءات الهادفة لإضافة مزيد من القيود على حرية تكوين الجمعيات، وخنق المجتمع المدني ومحاصرة منظماته. كان التقرير الفصلي الأول لمركز مدافع قد رصد إضافة المفوضية مستندًا جديدًا إلى الأوراق الخاصة بإجراءات تسجيل الجمعيات والمنظمات وتجديد التراخيص، وأطلقت على المستند اسم “التعهد”؛ حيث يتم إجبار مؤسِّسي المنظمات على توقيع إقرار بعدم التعامل مع السفارات والقنصليات الأجنبية في الداخل والخارج والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية بكافة صور التعامل سواء كان ذلك بعقد الاجتماعات واللقاءات، أو توجيه الدعوة لهم، أو تلبية دعواتهم، أو توقيع أي اتفاقيات أو معاهدات أو عقود بشكل عام؛ إلا بعد الرجوع وطلب الإذن والموافقة من مفوضية المجتمع المدني وجهات أخرى لم يتم تسميتها في “التعهد”.

وبالرغم من استنكار مركز مدافع والعديد من منظمات حقوق الإنسان الليبية لإضافة مثل تلك القيود التعسفية على نشاط الجمعيات؛ فإن المفوضية تجاهلت مطالب المجتمع المدني الليبي، وواصلت إجبار الجمعيات على تعبئة نموذج التعهد بوصفه جزءًا من عملية التسجيل. وهذا ما ظهر في إعلان إدارة شئون المنظمات المحلية الصادر في 7 ديسمبر/ كانون الأول 2020، الموجه إلى الراغبين في تأسيس منظمة غير حكومية، والذي أدرج نموذج التعهد المشار إليه آنفًا ضمن المستندات اللازم توافرها لإتمام إجراءات التأسيس.

ويبدو أن المفوضية تسعى إلى تقييد تواصل المجتمع المدني الليبي بالمنظمات الأجنبية غير الحكومية العاملة في ليبيا، بطرق أخرى بخلاف إجبار المنظمات الليبية على التوقيع على التعهد المذكور أعلاه؛ ففي 31 ديسمبر/ كانون الأول 2020، قام المدير التنفيذي للمفوضية بمخاطبة رؤساء فروع المفوضية ومديري مكاتبها؛ مشددًا عليهم بضرورة التأكد من امتثال المنظمات الأجنبية غير الحكومية بتقديم معلومات تفصيلية عن أنشطتها مسبقا، وفي مدة لا تقل عن أسبوعين، تتضمن نوع النشاط ووقت ومكان انعقاده، وبيانات عن المستهدفين بالنشاط ومعايير اختيارهم وبيان بمحتوى المطبوعات، تطبيقًا للمادة 57 من اللائحة التنظيمية لعمل مفوضية المجتمع المدني المرفقة بالقرار الرئاسي رقم 286 لسنة 2019. وبموجب هذا القرار تحظى المفوضية بسلطة رقابية واسعة، ليس فقط على تواصل المنظمات الأجنبية بالمنظمات المحلية؛ إذ منحها صلاحية حظر الأنشطة بزعم تعلقها بالشأن السياسي، فضلا عن التوسع في قرارات الحل الإداري للمنظمات المحلية والأجنبية. ويمكن الاطلاع على تحليل قانوني للقرار 286 وتأثيره في حرية تكوين الجمعيات في تقرير مركز مدافع الصادر في 2019، بشأن أوضاع المدافعين عن حقوق الإنسان في ليبيا، والتشريعات واللوائح الخاصة بحرية تكوين الجمعيات.

الأكثر مدعاة للقلق أن مفوضية المجتمع المدني توجهت مؤخرًا إلى إدارة القانون، وهي هيئة قضائية تتبع المجلس الأعلى للقضاء، لاستطلاع رأي الإدارة حول مدى أحقية المفوضية في وضع ضوابط عمل منظمات المجتمع المدني المحلية والأجنبية غير الحكومية، وفقًا لما جاء بنموذج التعهد. وفي 4 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 قام المستشار محمود الكيش، الرئيس بإدارة القانون، بالرد التفصيلي على استطلاع المفوضية. وانتهى الرد بخلاصة مثيرة تدعم قرارت المفوضية: “لا يجوز للجهات العامة وكذلك الأهلية إجراء أي اتصال بالجهات الأجنبية والمحددة بنص المادة (27) من القانون رقم (2) لسنة 2001 المشار إليها إلا عن طريق وزارة الخارجية”. والقانون رقم 2 لسنة 2001 الذي استندت إليه إدارة القانون يتعلق “بالعمل السياسي والقنصلي”. وهي خلاصة تؤكد استنتاجات التقرير الفصلي الأول لمركز مدافع، بشأن الفلسفة الكامنة وراء هذا التعهد، حيث أكد التقرير أن المفوضية تسعى إلى التعامل مع “منظمات المجتمع المدني كرهينة واعتبارها مؤسسات تابعة للحكومة، وهو ما يتناقض مع فكرة المجتمع المدني”.

جدير بالذكر أن إدارة القانون تعمل على تقديم الفتاوى القانونية للجهات العامة، وتتمتع فتاواها بصفة الإلزام للجهة طالبة الرأي على ألا تخالف المحكمة العليا[1]، برغم أن إدارة القانون تستند في ممارسة الإفتاء الملزم إلى نص لائحة لا يوجد له سند في قانون إنشاء الإدارة، ويعد تجاوزًا لحدود التفويض[2]. المفارقة أننا على وشك الاحتفال بالذكرى العاشرة لثورة 17 فبراير/ شباط، ولا يزال المجتمع المدني الليبي يرزح تحت وطأة نصوص قانونية صدرت في ظل نظام القذافي المعروف بعدائه للمجتمع المدني. وبينما تشهد حالة حقوق الإنسان في ليبيا مزيدًا من التدهور، يتم تكبيل مبادرات المجتمع المدني وحرمانه من حرية التواصل مع العالم الخارجي، وتقييد قدرته على التشبيك مع المنظمات الإقليمية والدولية؛ الأمر الذي سيؤدي إلى الإضرار بفرص تكوين قدرات المنظمات الليبية وبناء كوادرها، وذلك باستخدام نص قانوني قمعي، صدر قبل عشر سنوات من الثورة الشعبية التي اندلعت من أجل الحرية والديمقراطية والانعتاق من ربقة الاستبداد.

 

مخاطر وتهديدات متزايدة لحرية التعبير[3]

بعد مرور نحو عقد كامل على ثورة 17 فبراير/ شباط، ما زال الصحفيون في ليبيا يتعرضون للعديد من المخاطر، حيث يمارسون عملهم في ظل بيئة تشريعية مقيدة، ويواجهون قمع السلطات المختلفة في الشرق والغرب، بالإضافة إلى المجموعات المسلحة التي تقوم بتهديد وسجن واختطاف الصحفيين والمعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وذلك دون رادع. وقد رصد التقرير الفصلي الأول لمركز مدافع تعرض صحفيين للاختطاف والتهديد والسجن بعد محاكمة عسكرية. علاوة على ذلك، رصد التقرير توسع نطاق قمع حرية التعبير في ليبيا، ليشمل المواطنين العاديين الذين يتعرضون لتفتيش هواتفهم المحمولة؛ بهدف ترهيبهم من مشاركة آرائهم السياسية وتقييمهم لأداء السلطات المختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي.

في 9 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، قام رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج بتعيين الكاتب الصحفي محمد عمر بعيو، رئيسًا للمؤسسة الليبية للإعلام بالقرار؛ وكان ذلك وفقًا للقرار رقم 597 لسنة 2020 الذي أثار جدلًا بين بعض الصحفيين المستقلين وبعض النشطاء المحسوبين على قوة بركان الغضب، كما أثار القرار خلافات داخل المجلس الرئاسي. وبعد أقل من أسبوعين، قامت كتيبة ثوار طرابلس بمداهمة منزل محمد عمر بعيو في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2020؛ وذلك في أعقاب نشره تسجيلا لمكالمة هاتفية، بينه وبين أيوب أبو رواس قائد الكتيبة، وكتب على حسابه على فيسبوك واصفًا المكالمة بأنها “رسالة تهديد”، ثم لم يلبث بعيو أن أعلن في تدوينة أخرى أن منزله يتعرض لهجوم. وقامت الكتيبة باختطاف بعيو وابنيه، واقتادته إلى أحد مقراتها في طرابلس. ولأن قادة الكتيبة موقنون أنهم بمأمن من المحاسبة على انتهاكاتهم؛ قاموا بنشر صورة لبعيو على فيسبوك، في تحدٍ كبير للسلطات وللرأي العام. في اليوم التالي للاختطاف، قامت الكتيبة بإطلاق سراح ابنَي بعيو، قبل أن تُطلق سراحه في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني. ولا تتوافر معلومات موثقة حول طبيعة المعاملة التي تلقاها بعيو وابناه خلال فترة احتجازهم غير القانونية لدى كتيبة ثوار طرابلس؛ إذ لم يعلن بعيو أنه تعرض لسوء المعاملة خلال فترة الاحتجاز، واكتفى بنشر تدوينة في 11 نوفمبر/ تشرين الثاني، أعلن فيها عن اعتزامه السعي إلى انتزاع حقه وحق عائلته بالقانون.

كانت كتيبة ثوار طرابلس قد قامت في نفس ليلة اختطافها بعيو، بمداهمة منزل هند عمار مديرة البرامج في قناة ليبيا الوطنية بطرابلس، وقامت باقتيادها إلى أحد مقرات الكتيبة، وتولى رجال الكتيبة استجوابها قبل أن يتم إطلاق سراحها في اليوم التالي. جدير بالذكر أن التهديد المشار إليه أعلاه، والذي تلقاه بعيو من قائد كتيبة ثوار طرابلس، كان يتركز حول مطالبة بعيو بالتراجع عن قراره بتعيين عمار في وظيفة مديرة البرامج في قناة ليبيا الوطنية. وقد أصدرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بيانًا بشأن الاعتقال غير القانوني لبعيو وولديه وعمار. وقد شهدت ليلة 20 أكتوبر/ تشرين الأول عملية اعتقال غير قانونية ثالثة لأحد الصحفيين، حيث تم اعتقال طارق القزيري مدير قناة ليبيا الرياضية، وذلك بعد قيام بعيو بتكليفه بإدارة قناة ليبيا الوطنية بشكل مؤقت، وذلك بعد استقالة مديرها السابق المقرب من كتيبة ثوار طرابلس. وقد تم إطلاق سراح القريزي في اليوم التالي.

في يوم 27 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، قام جهاز الأمن الداخلي بمدينة أجدابيا بإلقاء القبض على المصور الصحفي صلاح منبيه الزوي، ووجه له تهمًا تتعلق بانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين. وقد تم إطلاق سراح الزويفي 5 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، وذلك بعد وساطة من مقربين لدى مسئولين في القيادة العامة التي يترأسها المشير خليفة حفتر. وفي شرق ليبيا، تعد تهمة الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين تهمة شديدة الخطورة، تؤدي إلى المحاكمة العسكرية بتهم دعم الإرهاب.

وفي 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، شهدت مدينة بنغازي جريمة اغتيال مروعة، راح ضحيتها المحامية والناشطة السياسية حنان البرعصي، التي قضت نحبها رميًا بالرصاص في وضح النهار. وكانت البرعصي محامية وناشطة سياسية معروفة بمواقفها الناقدة لفساد السلطات في شرق ليبيا والمجموعات المسلحة التابعة لها. هذا بالإضافة إلى نشاطها المؤثر في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث دأبت البرعصي على نشر مقاطع فيديو على صفحتها الشخصية على موقع فيسبوك تنتقد فيها القوات والمجموعات المسلحة التابعة للجيش بشرق البلاد. وقد نشرت آخرها قبل ساعات من اغتيالها. وقد أصدر مركز مدافع مع أربع منظمات حقوقية ليبية وإقليمية ودولية بيانًا يطالب بإنهاء سياسة الإفلات الممنهج من العقاب في ليبيا، والتحقيق العاجل في مقتل البرعصي، ومحاسبة الجناة. وفي 25 نوفمبر/ تشرين الثاني، قدّم مركز مدافع مع نفس مجموعة المنظمات، شكوى بشأن اغتيال البرعصي، تم توجيهها إلى كل من مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء أو بإجراءات موجزة، ومقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير، ومقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالعنف ضد المرأة وأسبابه وعواقبه.

وفي 25 نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، أصدر “تجمع تاناروت للإبداع الليبي” ببنغازي، بيانًا صحفيًا استنكر فيه الخطاب التحريضي الذي تقوم به الهيئة العامة للأوقاف والشئون الإسلامية، التابعة للحكومة الليبية المؤقتة في شرق البلاد، من تشويه وتحريض على التجمّع وأعضائه في مدينة بنغازي. وكانت الهيئة العامة للأوقاف والشئون الإسلامية، قد قدمت شكاوى إلى عدد من الأجهزة الأمنية، تتهم فيها تجمع تاناروت بنشر الماسونية والمسيحية والإلحاد فيما تتضمنه أنشطته الثقافية المختلفة من كتب وأفلام. وبناء على الشكاوى تم التحقيق مع مدير التجمع ونائبته. كما اتهمت الهيئة أعضاء التجمع بالانحلال الأخلاقي؛ للسماح بالاختلاط بين الرجال والنساء داخل مقر التجمع، كما وصفت بعض أعضاء التجمع بأنهم ملحدون وعبدة الشياطين. وهي كلها اتهامات تمثّل خطرًا حقيقيًا على حياة أعضاء التجمع، في مجتمع تُهيمن فيه الأفكار الدينية المتطرفة والمعادية لحرية التعبير والمعتقد، على قطاع واسع من الأفراد. هذا، فضلا عن تفشي ظاهرة الإفلات من العقاب، التي قد تُشجع بعض المتطرفين على الاعتداء على أعضاء التجمع. وهو الأمر الذي دفع التجمع إلى الإعلان في 3 ديسمبر/ كانون الأول عن تعليق أنشطته الثقافية كافة إلى حين إشعار آخر، وقال البيان “نأسف لاضطرارنا إلى هذا الإجراء حرصًا على سلامة أعضاء التجمع ورواده، ودفعًا لأي ضرر قد ينجم عن استمرار حملة التشويه والتحريض”. جدير بالذكر أن بعض أعضاء التجمع يواجهون تهمًا وفقًا للمادة 500 من قانون العقوبات الليبي الخاصة بعرض الأشياء المنافية للحياء والاتجار بها وللمادة 501 من قانون العقوبات المتعلقة بممارسة الأفعال المنافية للحياء والكلام الفاحش.

وما يزال الصحفي إسماعيل بوزربية الزوي يقضي عقوبة السجن لمدة 15 عامًا، بعد أن أصدرت محكمة بنغازي العسكرية حكمًا جائرًا ضده في مايو 2020. كما لا يزال الصحفي عبد السلام التركي رهن الاحتجاز لدى الشرطة العسكرية في بنغازي، ويحاكم أمام محكمة عسكرية بتهم تتعلق بالخيانة والتجسس والتواصل مع العدو، وذلك منذ منتصف سبتمبر/ أيلول 2020. وكذلك لا يزال مصير مغني الراب علي سعد الفزاني في طرابلس مجهولا منذ اختطافه في يوليو/ تموز 2020 بسبب نشره أغنية ينتقد فيها الأوضاع السياسية في البلاد بعد الثورة. ويؤكد نشطاء أنه اختُطف من قِبَل كتيبة النواصي، وأنه متهم بدعم المشير حفتر، لكنه لم يُعرَض على النيابة حتى الآن. ونشير إلى أن هناك العديد من الصحفيين والنشطاء والمواطنين يقبعون في السجون ومراكز الاحتجاز في مختلف أنحاء البلاد، نتيجة ممارسة العمل الصحفي أو حرية التعبير؛ لكنهم يخشون الإعلان عن الانتهاكات التي يتعرضون لها؛ خوفًا من تعرضهم وعائلاتهم للأعمال الانتقامية، سواء من السلطات أو المجموعات المسلحة.

خاتمة

لا تزال انتهاكات حقوق الإنسان في ليبيا تُرتكب دون رادع أو محاسبة، ويتعرض المدافعون عن حقوق الإنسان والصحفيّون والنشطاء السياسيّون السلميّون لقمع السلطات المختلفة والمجموعات المسلحة التابعة لها. وذلك عبر فرض قيود تشريعية وإدارية وأمنية، بالإضافة إلى استمرار عمليات الاختطاف والاحتجاز خارج إطار القانون. كما تتواصل معاناة المهاجرين وطالبي اللجوء، حيث يتعرضون لصنوف شتى من انتهاكات حقوق الإنسان، ولا يتمكنون من الوصول إلى الرعاية الصحية الملائمة في ظل تفشى جائحة كوفيد 19 في جميع أنحاء البلاد. ولا تكترث السلطات في الشرق والغرب لتوفير المعلومات لمنظمات المجتمع المدني بشأن الوضع الصحي في السجون وأماكن الاحتجاز. علاوة على ذلك، رصد مركز مدافع تفشي ظاهرة التعذيب في مختلف السجون الليبية، في الشرق والغرب والجنوب. وخلال الفترة التي يرصدها التقرير، قام المركز بتوثيق حالات تعذيب لمدافعين عن حقوق الإنسان وصحفيين ونشطاء سياسيين، على يد المجموعات المسلحة التي تُهيمن على إدارة السجون في ليبيا. ويحتفظ المركز بوقائع تلك الانتهاكات، بما في ذلك أسماء الضحايا والجناة وأساليب التعذيب الوحشية؛ حتى يحين الوقت المناسب للكشف عنها، وذلك بناء على رغبة الضحايا الذين يخشون تعرضهم وعائلاتهم للأعمال الانتقامية.

وفي هذا السياق، يُعبّر مركز مدافع عن بالغ القلق إزاء إغفال اتفاق وقف إطلاق النار المستدام، الذي تم توقيعه في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي برعاية الأمم المتحدة؛ لفرض برنامج واضح ومُلزم للمحاسبة على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في ليبيا. وهو أيضًا الأمر الذي تكرر في جولات ملتقى الحوار السياسي الليبي، الذي لم يصدر عنه خلاصات ملموسة بشأن تعزيز حقوق الإنسان والمحاسبة على الانتهاكات وجبر ضرر الضحايا. وفي هذا الإطار، يشدد المركز على ضرورة إيلاء أطراف الحوار السياسي، والمجتمع الدولي، الاهتمام الواجب لتعزيز حقوق الإنسان في ليبيا، عبر إدراج قضاياها على أجندة الحوار السياسي وخلاصاته. وقد يكون هذا هو الوقت المناسب لأن يكون لمنظمات حقوق الإنسان الليبية دور ملموس في التحضير لمسار العملية السياسية المقبلة. ويؤكد المركز أن الاتفاقات السياسية التي لا تكترث لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان ومحاسبة الجناة لن تنجح في جلب الاستقرار والسلام المستدام في ليبيا، ولن تُمثّل ضمانة لوقف دوامة العنف التي تكاد تمزق أوصال البلاد.

 

[1] الفقرة 2 من المادة 6 من قرار اللجنة الشعبية العامة رقم 356 لسنة 1993 باللائحة التنفيذية للقانون رقم 6 لسنة 1992 بشأن إدارة القانون.

[2] رأي المحامي الدكتور طارق الجملي، عميد كلية القانون في جامعة بنغازي، منشور على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك.

[3] استفاد الجزء الخاص بانتهاكات حرية الصحافة بالمعلومات التي ساهمت بها المنظمة الليبية للإعلام المستقل.

Print Friendly, PDF & Email