Defender Center for Human Rights

صناعة التشريع في ليبيا ما بعد فبراير 2011

صورة المفكرة القانونية

2 يوليوز 2021 – Photo https://legal-agenda/

د. سليمان إبراهيم[i]

خلاصة

تسعى هذه الورقة إلى تقويم عملية صناعة التشريع في ليبيا ما بعد فبراير 2011. ويعد هذا التقويم قاتمًا إلى حد بعيد؛ إذ يكشف عن أن وصف الأزمة الذي لازم هذه الصناعة في عهد نظام القذافي ما زال وصفًا صادقًا لها بعد أكثر من عشر سنوات على سقوط هذا النظام، فهي تواجه تحديات جسامًا تتعلق بافتقاد الرؤية الموجهة، والتشكك في مشروعية التشريعات، وضعف حظها من الشرعية، وتعثر تطبيق جزء كبير منها، وضعف الرقابة، السابقة واللاحقة. وتؤكد الورقة أن للبيئة السياسية دورًا كبيرًا في خلق هذه التحديات أو مضاعفة أثرها أو الاثنين معًا. ولكن الورقة تخلص، بعد رصد لمؤشرات على صلاح هذه البيئة، إلى أن هناك فرصًا لمعالجة هذه التحديات وتجاوزها.

توطئة

تمر ليبيا منذ ثورة فبراير 2011 التي أنهت حكم القذافي بمرحلة انتقالية، من نظام حكم شمولي، عمّت في ظله انتهاكات حقوق الإنسان، إلى آخر ديمقراطي، تحترم فيه الحقوق وتصان. وأُنيط بالتشريع دور محوري في تحقيق هذا الانتقال، ولكن الانتقال المرجو تعثر، فأمد المرحلة الانتقالية طال، وتخللها انقسام سياسي صاحبه أحيانًا نزاع مسلح. وانعكس هذا على التشريع، وضعًا وتطبيقًا. فتوارت إشارات إيجابية أرسلتها تشريعات مبكرة، عززت حكم القانون وحقوق الإنسان، لتحل محلها أخرى كشفت عن تطويع التشريعات، وخصوصًا منذ الانقسام السياسي في النصف الثاني من عام 2014، لأغراض التحارب السياسي. ومن ثم، انحرافها عن غايات الانتقال المبتغى. ولكن الفرصة لم تفت بعد. فبعد حوار سياسي رعته الأمم المتحدة، رسمت خارطة طريق لمرحلة تمهد لحل شامل، شُكلت استنادًا إليها سلطة تنفيذية موحدة، والمأمول أن تنظم وفقًا لها انتخابات رئاسية وتشريعية في ديسمبر من عام 2021. ويفترض أن يكون للتشريع دور رئيس في معالجة آثار الانقسام السابق، والتمهيد للحل الشامل والتأسيس له، ولكن تساؤلًا مشروعًا يُطرح عن فرص التشريع في لعب هذا الدور. وللإجابة عن هذا التساؤل، تعرض هذه الورقة البحثية ملامح صناعة التشريع قبل فبراير 2011 (أولًا)، وتعقبها برصد موجهات السياسة التشريعية بعد هذا التاريخ (ثانيًا)، وتحديد تأثير هذه الموجهات فيما تم وضعه من تشريعات (ثالثًا)، قبل أن تنتهي الورقة بخاتمة تترسم فيها آفاق صناعة التشريع. وتستند هذه الورقة إلى عمل بحثي، مكتبي وميداني، جرى في إطار مشروع حول دور القانون في المصالحة الوطنية.[1]

أولًا. ملامح صناعة التشريع قبل فبراير 2011

لا يمكن دراسة صناعة التشريع قبل فبراير 2011 دون دراستها قبله. ومن الجليّ أنها كانت عندئذ في أزمة. وكان هذا الوصف، “الأزمة”، مقترحًا لعنوان مؤتمر نُظم عام 2008 حول المشاكل النظرية والعملية في صناعة التشريع على مدى ثلاثين عاما[2]، ولكن الاقتراح لم يحظَ بقبول كل المنظمين، ربما لحساسيته في ظل نظام يزعم فرادة التشريع في ليبيا وتميزه. وفي الختام، استقر الرأي على عنوان مختلف: نحو تطوير التشريع في ليبيا[3]. وقد نُظم المؤتمر بالفعل تحت هذا العنوان، ولكن الاطلاع على خلاصاته وتوصياته يكشف عن أن وصف الأزمة كان أكثر ملائمة وأصدق تعبيرًا.

انتهى المؤتمرون إلى أن صناعة التشريع تعاني من عدة مشاكل: (1) غياب قواعد عليا تحكم هذه الصناعة؛ (2) الخلط بين وضع السياسات العامة وصناعة التشريعات، فالأخيرة، بوصفها فنًا، ينبغي أن تسند إلى مختصين؛ (3) غموض آليات اتخاذ القرار، مما يصعب من رقابة ومراجعة وضع التشريعات؛ (4) غياب جسم وطني للصياغة التشريعية؛ (5) إرهاق المحكمة العليا بمهام رقابة صحة التشريعات؛ (6) عدم تجانس التشريعات؛ (7) الافتقاد إلى المذكرات الإيضاحية؛ (8) ضعف المشاركة المجتمعية في صناعة التشريعات.

كان هذا تشخيصًا جريئًا. وتكمن جرأته في أنه يحمل نقدًا للأسس النظرية للنظام السياسي القائم. فالتشريع، وفقًا للنظرية العالمية الثالثة التي نادى بها القذافي في كتابه الأخضر، سلطة يمارسها أفراد الشعب على نحو مباشر، دون تمثيل، من خلال مؤتمرات شعبية أساسية، ولا يحد من سلطانهم قواعد علوية في صورة دستور. ولكن التجربة كشفت عن صعوبة ترجمة هذه السلطة النظرية إلى ممارسة. فالتشريع يستلزم، بداهة، إلمامًا بالقانون، ولا يمكن افتراض هذا في عامة الناس، وكان ينبغي أن تقتصر مهمة هؤلاء، كما يفهم من التشخيص، على وضع السياسات العامة لا صناعة التشريع. وآليات اتخاذ القرار غامضة، وهي التي يفترض أن تكون النظرية قد فصلتها. وللخلاصة المتعلقة بضعف المشاركة المجتمعية دلالة خاصة، إذ كان يفترض أن تمثل عملية التشريع في ظل النظام الجماهيري أوسع أشكال هذه المشاركة.

وفي ضوء هذا التشخيص، انتهى المؤتمر إلى عدد من التوصيات: (1) وضع مدونة لضوابط التشريع تكون مرجعا لسلطات الدولة؛ (2) التمييز شكلًا وهدفًا واختصاصًا بين وضع السياسات العامة والجانب الفني للتشريع؛ (3) إيجاد آلية واضحة وحاسمة لصنع القرارات تُمكن من الرقابة والمراجعة؛ (4) استحداث محكمة لرقابة مشروعية التشريعات، وتفرُّغ المحكمة العليا، من ثم، لمهام النقض؛ (5) مراجعة التشريعات بما يكفل اتساقها، وتحقيقها لمقتضيات العدالة والأمن القانوني والتقدم الاجتماعي، ومواكبة التطور؛ (6) إرفاق التشريعات بمذكرات إيضاحية تعين على تفسيرها؛ (7) إنشاء مركز وطني لصياغة مشروعات القوانين؛ (8) تعزيز المشاركة المجتمعية في وضع مشاريع القوانين.

الجرأة التي كشف عنها تنظيم المؤتمر، الذي حملت خلاصته هذا التشخيص وهذه التوصيات، لم تكن ممكنة لولا جهود الإصلاح التي قادها سيف الإسلام القذافي. ولا أدل على هذا من أن الجهة المنظمة كانت مركزًا لدراسات الكتاب الأخضر، كان يقوده حينها، عبد الله عثمان، أحد المقربين من سيف الإسلام، ولكن تنظيم المؤتمر وإعلان التشخيص والتوصيات كان، ربما، أقصى ما يمكن تحقيقه. فقد واجهت هذه الجهود، بافتراض جديتها، هجمة مضادة من أشخاص رأوا فيها تقويضًا لأسس النظام السياسي. ويؤمن مشروع الدستور الذي دعا إليه سيف الإسلام، كما سيبيّن لاحقًا، مثلًا واضحًا على هذا.

لم تشر توصيات المؤتمر إلى الدستور والرقابة الدستورية؛ لكنها ركزت على ضرورة وجود قواعد عليا تحكم صناعة التشريع وعن محكمة مستقلة لرقابة مشروعية التشريعات. وعلة هذا تكمن في شيوع اعتقاد أن فكرة الدستور تتعارض مع ما يدعو إليه النظام السياسي. فالدساتير، وفقًا لما صرح به الكتاب الأخضر، تعبر عن قناعات النخب الحاكمة وتكرسها، وينبغي، لهذا، ألا تقبل إلا إذا كان مصدرها سماويًا أو مجتمعيًا، أي الدين أو العرف. وكذلك فإن الاعتراف بدستور يعني الاعتراف بتشريع يعلو بقية التشريعات ويقيدها، وهذا من شأنه أن يقيد سلطة أفراد المجتمع في التشريع، والفرضية التي كانت سائدة أن تلك السلطة لا تقبل التقييد. وقد حاول بعض فقهاء القانون نفي هذا التعارض بالقول بأن الشريعة الإسلامية، بسبب سماوية مصدرها، قد تكون دستورًا، وأن هناك بالفعل وثائق وقوانين ذات طبيعة دستورية، مثل إعلان قيام سلطة الشعب الصادر عام 1977، فقد عالج موضوعات تختص الدساتير بعلاجها مثل شكل الدولة واسمها وشريعة مجتمعها: القرآن الكريم.[4]

ولم يكن هذا الجدل نظريًا محضًا، فقد انعكس في تشريعات سلبت حينًا، ومنحت حينًا آخر، المحكمة العليا الرقابة على دستورية القوانين. فعلى نحو يعكس نفي وجود تشريعات ذات طبيعة دستورية، حرم القانون رقم 6/1982 بشأن إعادة تنظيم المحكمة العليا هذه المحكمة من هذه الرقابة. وعلى نحو يعكس التسليم بوجود مثل هذه التشريعات، أعاد المشرع إلى المحكمة هذه الرقابة عام 1994، ومع ذلك توقفت المحكمة عن ممارستها لمدة عشر سنوات، بحجة أنها تحتاج أولا إلى وضع اللائحة المنظمة لهذه الممارسة[5]. ويبدو أن خشية المحكمة مما قد تجلبه عليها هذه الممارسة من مواجهة مع النظام السياسي، لما تتضمنه تشريعاته من منافاة لقواعد أساسية، كانت علة هذا الإحجام عن ممارسة الرقابة على التشريعات، وحتى بعد أن وضعت المحكمة مكرهة اللائحة الداخلية، فإنها ضيقت من نطاق الطعون الدستورية[6]. وكما سنشرح لاحقًا، فإن ممارسات المحكمة هذه لم تقتصر على عهد النظام السابق، فقد شهدتها الفترة اللاحقة أيضًا.

وقد بدا أن الجدل قد حُسم بإعلان النظام السياسي عن نيته وضع دستور. وجرى بالفعل، في إطار مشروع سيف الإسلام الإصلاحي، صوغ مشروع لدستور تضمن إنشاء محكمة دستورية وإلغاء المحاكم الاستثنائية. ولكن لم تكتب للمشروع الحياة رغم خضوعه لتعديلات عديدة، قلصت من تدابيره الإصلاحية، وانتهت به متوافقًا إلى حد بعيد مع رؤى النظام السياسي[7]. وعلى الرغم من هذا، فإن تقارير تواترت عن رفض القذافي لهذا المشروع. وقد جدد سيف الإسلام تعهده بوضع دستور إبّان ثورة فبراير، ولكن الوقت كان قد تأخر على مبادرته هذه[8].

لم يكن نظام القذافي، إذن، مستعدًا لمعالجة أزمة صناعة التشريع، التي كانت في حقيقتها عرضًا من أعراض أزمة أكبر كان يعانيها. انتهى الأمر إلى سقوط النظام إثر ثورة فبراير 2011، وبدا حينها أن فرصة حقيقة لمعالجة جذرية للأزمة قد سنحت.

ثانيًا. موجهات السياسة التشريعية بعد فبراير 2011

إذا كان نظام القذافي مسؤولًا إلى حد بعيد عن الأزمة التي عانتها صناعة التشريع في ظله، فإن تأثيره لم ينته، كما يبدو، بانتهاء حكمه. فقد مثلت الرغبة في القطيعة مع هذا النظام، في أول الأمر، ومراجعة الموقف منه وتلمس المعاذير له، في آخره، موجهات مهمة لصناعة التشريع بعد فبراير 2011. كانت القطيعة مع إرث النظام السابق هدفًا للسلطات الانتقالية، ومفسرًا للكثير من تشريعاتها. وهذا أمر متوقع من سلطات قامت على أنقاض هذا النظام، واستمدت شرعيتها من الثورة التي أطاحت بحكمه، ولكن حين أخفقت هذه السلطات في تحقيق أهداف الثورة، بل الحفاظ على منجزات تحققت في عهد النظام السابق (وحدة المؤسسات والأمن)، انعكس هذا الإخفاق تراجعًا في التوجه نحو القطيعة مع هذا النظام، من ناحية، واتخاذ مواقف إقصائية نحو قوى ثورية، بسبب ما نسب إليها من مساهمة في هذا الإخفاق، من ناحية أخرى. ولم يكن هذا القطع، والتراجع عنه، على وتيرة واحدة خلال المرحلة الانتقالية، وإن أمكن التمييز، بشكل عام، بين الفترة السابقة على الانقسام السياسي، الذي تجلى منذ حوالي يوليو 2014، وبين الفترة التي أعقبته.

خلال الفترة الأولى، فبراير 2011- يونيو 2014، تعالت دعوات القطع مع النظام السابق، وتماهت السلطات الانتقالية معها. وقد استمدت هذه الدعوات زخمها من قوى ثورية دينية أسهمت في الثورة، وأخذت على عاتقها تحقيق ما رأت فيه أهدافًا للثورة. ودارت هذه الدعوات حول القطع مع ما ارتبط بالنظام، أو صُوِّر على أنه مرتبط به، من تشريعات ومؤسسات وأشخاص. وقد كان لدعوى انحراف هذا النظام عن الإسلام الصحيح، التي اُستُخدمت في تبرير الثورة ضده- أثرها في حث السلطات الانتقالية على مراجعة تشريعاته، بما فيها تلك التي ادعى النظام، زورًا بزعمهم، أنها مبنية على الشريعة الإسلامية.

وقد تأثر المجلس الوطني الانتقالي (2011-2012) بهذه الدعاوى. فمن ناحية أولى، كان المجلس هو الجسم الذي قاد الثورة ضد نظام القذافي، فلا يستغرب تبنيه خطابًا ثوريًا يدين هذا النظام ويعلي من شأن الثورة ضده، وقد تضمن المجلس ممثلين لقوى دينية، ما كان له أثره في تبنيه خطابًا يدعو إلى إعادة النظر في النظام القانوني الموروث في ضوء أحكام الشريعة[9]، ولكنّ المجلس، من ناحية أخرى، كان يضم ممثلين لتيارات مدنية، ورجال قانون، وكان العديد منهم قد تولى مناصب بارزة في عهد النظام السابق[10]. وقد كان لهذا الأمر أثره في “تلطيف” الخطاب الثوري الديني، وخصوصًا خلال الفترة التي سبقت انتقال المجلس من بنغازي إلى طرابلس (أكتوبر 2011)، إذ جعله هذا الانتقال أكثر عرضة لتأثير القوى الثورية الدينية[11]. وفي حين مثّل الإعلان الدستوري الذي صدر في أغسطس 2011 في بنغازي نموذجًا لخطاب المجلس الانتقالي المعتدل في مواجهة المطالبات الثورية الدينية، فقد شكّل قانون إنشاء دار الإفتاء، وقانون تجريم تمجيد الطاغية، اللذان صدرا عام 2012 في طرابلس، نموذجًا للخطاب الذي تصاعدت فيه النبرة الثورية الدينية.

أما المؤتمر الوطني العام (2012 – 2014، 2014 – 2016) الذي انتخب خلفًا للمجلس الانتقالي، فقد كان أكثر تأثرًا بالدعوات الثورية الدينية، وخصوصًا في فترته الثانية. وكان ذلك ثمرة ضغوط مارستها قوى ثورية، لمعظمها توجهات دينية، على المؤتمر الوطني بحكم نجاح ممثليها من أعضاء المؤتمر في السيطرة عليه إلى حد بعيد، وتمكنها من توجيه أعضائها ومناصريها نحو الضغط عليه من خلال وسائل شملت مظاهرات واعتصامات وتعدّت ذلك، في بعض الحالات، إلى حصار مقر المؤتمر الوطني واحتجاز أعضائه[12]. ويعد قانون العدالة الانتقالية رقم 29/2013، وقانون العزل السياسي رقم 13/2013، والقانون رقم 1/2013 بشأن تحريم الفوائد نماذج للاستجابات التشريعية التي جسدت هذا الخطاب الثوري الديني.

ولكنّ الملاحظ أنّ استجابات المؤتمر الوطني العام لمطالب القوى الثورية الدينية لم تكن كاملة، وعلّة ذلك أنه لم يكن خاضعًا بالكلّية لهذه القوى، فقد تمثلت فيه أيضًا تيارات مدنية، وشغل التدافع بين الاثنين حيّزًا كبيرًا من الوقت الذي يخصصه المؤتمر لجلساته[13]. وقد كان من آثار هذا التدافع أيضًا تعثّر أداء المؤتمر، وتصاعد دعوات تنحيه نتيجة لذلك[14]، فاضطر، استجابةً لهذه الدعوات، إلى قبول توصيات بتعديل الإعلان الدستوري للمرة السابعة، ليؤسس لانتخاب مجلس للنواب يحل محله في قيادة المرحلة الانتقالية[15].

ولكنّ المؤتمر الوطني لم يقم، كما كان مفترضًا، بتسليم السلطة لمجلس النواب المنتخب. ولئن برّر المؤتمر موقفه هذا بوجوب أن يكون التسليم في طرابلس، لا في طبرق، الواقعة في أقصى شرق البلاد والتي اتخذها مجلس النواب مقرًا له، فإن الحجج الحقيقية إنما تتعلق بتكوين هذا المجلس وتوجهاته. لقد كان فشل المؤتمر الوطني في أداء مهامه علّةَ انتخاب بديله، مجلس النواب، وتوجّه قدر كبير من اللوم على هذا الفشل إلى خضوع المؤتمر للقوى الثورية الدينية[16]. لهذا، لم يكن مستغربًا أنْ يفشل ممثلو هذه القوى في انتخابات مجلس النواب[17] من ناحية، وقرّر المجلس أن تكون طبرق، وهي أبعد ما تكون عن تأثير هذه القوى، مقرًا مؤقتًا له، من ناحية أخرى. وعلى هذا النحو لم يكن مستغربًا أيضًا أن تصوّر هذه القوى مجلس النواب على أنه ممثّل لثورة مضادة تهدف إلى إقصائها، وخصوصًا بعد التغيرات التي حدثت في الجارة مصر، وأن يرفض المؤتمر الوطني، تحت تأثير تلك القوى، تسليم مهامه لهذا المجلس، مستأنفا إياها بتأييد من تلك القوى نفسها بعد أن سيطرت على العاصمة في ما عرف بعملية فجر ليبيا. وقد تماهى المؤتمر مذ ذاك الحين مع مطالب هذه القوى تماهيا كاملًا، كما يدل على ذلك تعديل الإعلان الدستوري التاسع والتشريعات التي سنّها المؤتمر خلال عامي 2015 و2016.

أما مجلس النواب (2014 – )، فإنه لم يتحصن من تأثير القوى الدينية الثورية فقط، بل تأثر زيادة على ذلك، بخطاب يلقي باللوم على هذه القوى في ما آل إليه حال البلاد إبان فترة المؤتمر الوطني العام، وخصوصًا في ما يتعلق بقانون العزل السياسي. كان هذا الخطاب أيضًا خطاب “عملية الكرامة” العسكرية التي شُنّت ضد جماعات إسلامية في بنغازي، وانتهت بهزيمة هذه الجماعات، وسيطرة قوات الكرامة على شرق البلاد. وقد أصبحت مناطق سيطرة تلك القوات في الواقع، هي المناطق التي يعترف فيها بسلطة مجلس النواب التشريعية. وهذا ما يفسر تشريعات مجلس النواب ذات العلاقة. فبعضها استهدف مراجعة تشريعات المؤتمر الوطني التي عُدت إقصائية، ومثل هذا القانونُ رقم 2/2015 بشأن إلغاء قانون العزل السياسي، أو التي قادت إلى تعزيز نفوذ القوى الدينية، ومثل هذا القانون رقم 8/2014 بشأن حلّ دار الإفتاء، أو التي كانت نتيجة تأثير هذه القوى، مثل القانون رقم 7/2015 بشأن تأجيل العمل بحظر الفوائد في المعاملات إلى يناير 2020.[18] البعض الآخر من التشريعات عكس نهج مجلس النواب التصالحي مع أنصار النظام السابق مثل قانون العفو رقم 6/2015.

وأما عن الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور (2014 – )، فقد تأثرت هي أيضا بالسياق السياسي الذي شكلت ومارست عملها في ظله. وقد كانت ولادة الهيئة متعسرة. ففي البدء، كان المقرّر أن تكون هيئة فنية يعيّنها المؤتمر الوطني العام لصياغة مشروع دستور يتولى هو، أي المؤتمر، مراجعته، واعتماده، وإخضاعه لاستفتاء عام، وإصداره حال قبوله دستورًا عامًا للبلاد. لاحقًا، أصبحت هيئة مكوّنة من ستين عضوًا، مقسَّمين بالتساوي بين أقاليم ليبيا التاريخية الثلاثة: برقة وطرابلس وفزان، وهم يُنتخبون مباشرة من الشعب، على أن تستقل الهيئة في مهامها عن المؤتمر الوطني العام (لاحقًا مجلس النواب)، الذي يقتصر دوره على إصدار مشروعها حال قبوله في الاستفتاء العام. شملت التعديلات أيضًا إيجاد تمثيل مناسب للأقليات الثلاث: الأمازيغ والتبو والطوارق، وهو ما ترجم إلى تخصيص ستة مقاعد، اثنين لكل واحدة منها، والإلزام بالتوافق مع ممثلي هذه الأقليات في الأحكام المتعلقة بها. وقد استتبعت هذه التعديلات تعديلًا في مدة إنجاز الهيئة مشروعها[19].

وحين جرت انتخابات الهيئة في فبراير 2014، لم تكن في مستوى نجاح انتخابات المؤتمر الوطني العام. فخيبة أمل من انتخبوه دفعتهم، كما يبدو، إلى مقاطعة انتخابات الهيئة[20]. ولمّا كان ضعف أداء المؤتمر قد نسب إلى خضوعه لتيارات دينية ثورية، فقد خلت مقاعد الهيئة إلى حد بعيد من ممثلين لهم. في المقابل، اتخذت الهيئة من مدينة البيضاء، الواقعة في شرق البلاد، مقرًا لها. كفل لها هذا الاختيار، البعد عن تأثير القوى الثورية الدينية، التي تتركز في غرب البلاد من ناحية، وعرّضها من ناحية أخرى، إلى العمل في بيئة أخذت تصبح تدريجيًا، أكثر تسامحًا مع مؤيدي النظام السابق. كذلك، لم تكن التعديلات التي أجريت فيما يتعلق بالأقليات كافية لتلبية مطالب بعضها، فقد رفضها الأمازيغ، وقاطعوا تبعا لذلك انتخابات الهيئة. أما التبو والطوارق فلم يقاطعوا انتخابات الهيئة، وكان لهم من ثَم ممثلون فيها، ولكنهم دأبوا على مقاطعة أعمالها، بحجة إقصائهم، واعتماد نهج المغالبة لا التوافق في تقرير المسائل المتعلقة بهم[21]. وقد كان لهذا التكوين والأداء أثره في تفاوت مخرجات الهيئة التأسيسية، وآخرها المشروع الذي أعلن عنه في يوليو 2017.[22]

ولأجل إنهاء الانقسام السياسي، رعت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (أنسميل) حوارًا بين أطراف ليبية مختلفة، انتهى إلى توقيع اتفاق في 15 ديسمبر 2015. ويهدف الاتفاق إلى إنهاء الانقسام السياسي من خلال تقاسم للسلطة يكون فيه مجلس النواب سلطة التشريع الوحيدة، ويتحول فيه المؤتمر الوطني إلى جسم استشاري، ويتولى سلطة التنفيذ مجلسٌ رئاسي وحكومة وفاق وطني تتمثل فيهما الأطراف المختلفة، وتستكمل فيه هيئة صياغة مشروع الدستور عملها. وفي حين وقّع ممثلون عن مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام الاتفاق، لم يصادق عليه الأوّلُ بعد، ولم يعدل الإعلان الدستوري ليشمله، بحجج عدّة منها عدم موافقته على بعض نصوص الاتفاق، مثل تلك المتعلقة بخضوع الجيش للسلطة المدنية، وآلية تقاسم السلطة[23].

وقد ترتب على هذا أنّ الاتفاق لم يحقق هدفه الرئيس، أي إنهاء الانقسام السياسي. فالاتفاق أدّى من ناحية أولى، إلى إبدال المؤتمر الوطني العام بمجلس الدولة، وتشكيل حكومة وفاق وطني بمجلس رئاسي صارت، في نظر المجتمع الدولي، السلطة التنفيذية الشرعية الوحيدة. ولكن، من ناحية أخرى، لم تنل حكومة الوفاق الوطني التي شكّلها المجلس الرئاسي اعتماد مجلس النواب قط، وظل هذا متمسكًا بالحكومة المؤقتة في شرق البلاد.

ولم يكن مجلس النواب المعترض الوحيد على الاتفاق السياسي. إنّ قوى دينية مهمة، مثل تلك التي تعبّر عنها دار الإفتاء، قد رفضت الاتفاق لأسباب من بينها قصور النص المتعلق بالشريعة الإسلامية وعدم تحصين التشريعات التي سنّها المؤتمر الوطني عامي 2015 – 2016.[24] زيادة على ذلك لم تمثَّل قوى ثورية في الحوار الذي قاد للاتفاق، ولم تراع عند تقسيم السلطة[25]. وهذه الدعوى ذاتها أثارها أنصار النظام السابق، فالحوار والاتفاق الذي نتج عنه كان محصورًا بين أنصار فبراير، وفقًا لرأيهم[26]. ودعوى الإقصاء ادّعتها كذلك قوى إثنية، فالمجلس الأعلى للأمازيغ قد استُبعد من الحوار بعد أن كان قد شارك فيه في البداية[27]. ولعل الوعي بغياب أطراف فاعلة عن الحوار ومخرجاته، هو ما قاد في حينها غسان سلامة، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا ورئيس بعثتها هناك، إلى أن يطرح خارطة طريق جديدة يراجع فيها الاتفاق السياسي، ويُنظَّم فيها مؤتمر جامع تشرّك فيه الأطراف التي جرى سابقًا تهميشها[28].

وبعد تعثر جهود استئناف الحوار السياسي لفترة، تخللها صراع عسكري حول طرابلس (2019-2020)، أفلحت هذه الجهود أخيرًا، وأثمرت اتفاقًا معدلًا للاتفاق السياسي. وتمثل التعديل في رسم خارطة طريق تتضمن تشكيل حكومة وحدة وطنية ومجلس رئاسي، وتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية في 24 ديسمبر 2021، استنادًا إلى قاعدة دستورية. وقد تم بالفعل تشكيل الحكومة والمجلس، وتوحيد الكثير من مؤسسات الدولة، والسعي جارٍ للتهيئة لانتخابات نهاية العام التي ستستبدل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، فضلًا عن الحكومة. وسيتعين على السلطات الجديدة معالجة واقع تشريعي مرتبك، ليس فقط بسبب إرث النظام السابق، ولكن أيضًا بسبب ممارسات لاحقيه.

ثالثًا. ملامح صناعة التشريع بعد فبراير 2011

تكشف دراسة صناعة التشريع بعد فبراير 2011 عن أن وصف الأزمة ما زال ملازمًا لها، وإن كانت هناك عناصر نجاح يمكن البناء عليها. وفيما يلي عرض للجوانب التي تناولتها الدراسة، وهي الرؤية التي ينبغي للتشريع أن يستند إليها، والمشروعية التي يفترض تحققها في واضع التشريع وطريقة وضعه له، والشرعية التي يتكئ عليها التشريع وتكفل له القبول المجتمعي، والتطبيق الذي يفترض أن يكون مآله، والرقابة التي تتحقق من استيفائه المعايير السابقة.

1. الرؤية

يفترض في تشريعات مرحلة انتقالية أن تستند إلى رؤية واضحة لمقتضيات الانتقال، تترجم إلى سياسة تشريعية، ولكن الملاحظ أن ما صدر بعد فبراير 2011 من تشريع يكشف عن غياب كبير لهذه الرؤية، وتلك السياسة. وتؤمّن صناعة الدستور مثلًا واضحًا على ذلك.

يعد وضع دستور استحقاقًا انتقاليًا بامتياز، وقد كان المجلس الوطني الانتقالي مدركًا لهذا، ولكن رؤيته لصنع هذا الدستور شابها ارتباك، ولم تكن ملائمة لمقتضيات الانتقال. والفرض في صناعة دستور في مرحلة انتقالية، التصدي، والتأسيس للتصدي، لقضايا مفصلية، وإن كان جُلّها خلافيًّا، والسعي إلى بناء توافق مجتمعي حول هذه القضايا قبل صياغة نصوص تعالجها. ومثل هذه القضايا تلك المتعلقة بعدالة توزيع الثروات بين الأقاليم، وتلك المتصلة بمعالجة إرث انتهاكات حقوق الإنسان، ومنها الانتهاكات التي وقعت على الأقليات، وتلك الدائرة حول مكانة الشريعة الإسلامية في التشريع. وبالطبع فإن بناء مثل هذا التوافق يستغرق وقتًا، ويفترض أن ينعكس هذا في تشكيل الهيئة المكلفة بصياغة مشروع الدستور، ولكن نصوص الإعلان الدستوري، التي جرى تعديلها مرارًا، تكشف عن غياب مثل هذا التصور لصناعة الدستور.

أولى الإشارات على غيبة الرؤية المنشودة تكمن في الاسم الذي أطلقه الإعلان الدستوري على الهيئة المكلفة بكتابة الدستور. فهو يصفها بأنها هيئة تأسيسية وأنها في الآن ذاته مكلفة بصياغة مشروع الدستور، وجليٌ أن هناك فرقًا كبيرًا بين الصياغة، بوصفها مهمة تتولاها لجنة فنية، والتأسيس، الذي يتطلب جسمًا أكبر أهمية.

وثانية الإشارات يتعلق بطبيعة الهيئة بين التعيين والانتخاب، وعلاقتها بالبرلمان. ففي البداية، صرح الإعلان الدستوري بأن الهيئة التأسيسية ستكون معينة من قبل المؤتمر الوطني العام، وخاضعة له، وكان لهذا المؤتمر أن يختار أعضاءها من بين أعضائه. ولكن فيما بعد، عُدل الإعلان لتصبح الهيئة مكونة من ستين عضوا يختارهم المؤتمر من غير أعضائه. ومن بعدها عدل مرة أخرى، وجعلت الهيئة جسما منتخبا من الشعب، ومستقلًا إلى حد كبير عن المؤتمر. والتردد بين تعيين الهيئة وانتخابها لم يكن منطلقًا من رؤية فضلى لصناعة الدستور بقدر ما كان استجابة لضغوط قوى مناطقية. وتنبغي الإشارة أيضًا إلى أن العدول عن تعيين الهيئة من قبل البرلمان إلى انتخابها على نحو مباشر، لم يصطحب بإلغاء إخضاع مشروعها لاستفتاء شعبي، وهو من بقايا خيار التعيين، مما أدى إلى جعل ولادة الدستور مهمة عسيرة للغاية.

وكان لهذه التغييرات أثرها في المدة المحددة لصناعة الدستور، وهذه إشارة ثالثة. فالبرنامج الزمني الذي تضمنه الإعلان كان مفرطًا في الطموح، مدفوعًا، كما يبدو، بالرغبة في إنهاء المرحلة الانتقالية بسرعة، إذ تنتهي هذه بوضع الدستور، وانتخاب مجلس تشريعي وفقا لأحكامه. ففي البدء، كانت المدة المحددة لإنجاز هذا الدستور ستين يوما فقط، ولكن سرعان ما اتضح أن تحقيق هذا متعذر عمليا، فمُدّدت الفترة مرارا إلى أن تجاوزت خمسة أضعاف المدة الأصلية. وفي هذا دلالة على أن المراد بصناعة الدستور، وما تتطلبه، لم يكن واضحا تمامًا لدى السلطات الانتقالية.

وكان من آثار تأخر وضع الدستور، وتكرار تمديد المرحلة الانتقالية، وقصور الإعلان الدستوري أن صدرت تشريعات دون سند دستوري حال لزومه. فعلى سبيل المثل، تتضمن العدالة الانتقالية خروجًا عن قواعد قانونية راسخة، مثل عدم رجعية القوانين الجنائية في غير مصلحة المتهم، وانقضاء الدعاوى بمضي المدة، وحجية الأحكام القضائية، ولا يسوغ هذا الخروج إلا بترخيص دستوري. ولكن على الرغم من خلو الإعلان الدستوري من مصطلح العدالة الانتقالية ناهيك بالتأسيس له، توالت تشريعات عدالة انتقالية أبرزها القانون رقم 29/2013، تجاهلها القضاء في تغليب، كما يبدو، لقواعد العدالة التقليدية، وأبرز الأمثلة حكم محكمة استئناف طرابلس بسقوط الجريمة المسندة إلى المتهمين بمذبحة سجن “أبو سليم” بالتقادم، وهي انتهاك عدل-انتقالي بامتياز[29].

وتؤمن التشريعات المتعلقة بالعدالة الانتقالية كذلك مثلًا آخر لغياب الرؤية الموجهة. ففي غيبة التأسيس الدستوري لهذه التشريعات، وتأثر السلطات الانتقالية بالنزعات الثورية وضد-الثورية التي سبق بيانها، اتسمت هذه التشريعات بالتشظي وشخصنة معالجة المظالم. فحين تصاعدت النزعات الثورية في عهد المؤتمر الوطني العام، سنّ هذا قانونًا للعدالة الانتقالية (القانون رقم 29/2013) كرس التمييز بين انتهاكات النظام السابق وانتهاكات الثوار، وصرح بإدانة الأولى وملاحقة من نسبت إليهم، وقيد المساءلة عن الثانية والتمس لمن نسبت إليهم المعاذير. وكذلك فإن تشريعات العدالة الانتقالية قد تعددت، وخصّ بعضها فريقًا من الضحايا بمعالجة تمييزية، ليس فقط في نوع ومدى التعويضات التي ينالها، ولكن أيضًا في آلية تقريرها، ومثالها القانون رقم 50/2012 بشأن تعويض السجناء السياسيين. ويضاف إلى هذا أن هذه التشريعات قد اختزلت الإصلاح المؤسسي في العزل السياسي، فقد اكتفى المؤتمر الوطني، كما يدل القانون رقم 29/2013، بالأخير، على ما فيه من قصور، وأسقط فصلًا كاملًا عن فحص المؤسسات كان مشروع القانون قد تضمنه[30]، اكتفاء، كما يبدو، بقانون العزل السياسي[31].

2. المشروعية

تعاني صناعة التشريعات بعد فبراير 2011 من مشكلة المشروعية، إن لجهة التشكك في واضعها، أو لجهة التشكك في آلية وضعه لها. وقد كان لغياب قواعد واضحة تحكم هذه الصناعة، من ناحية، والانقسام السياسي، من ناحية أخرى، أثره في خلق هذه المشكلة ومفاقمتها.

وفيما يتعلق بالتشكيك في مشروعية واضعي التشريعات، فالمرحلة الانتقالية تعج بالعديد من الأمثلة. فعلى سبيل المثل، جرى التشكيك في تشريعات مجلس النواب؛ لأن سند انتخابه كان التعديل السابع للإعلان الدستوري الذي قضت المحكمة العليا بعدم دستوريته[32]. وفي المقابل نال التشكيك تشريعات المؤتمر الوطني العام بعد رفضه تسليم السلطة إلى مجلس النواب المنتخب. وانعكس هذا التشكيك على التشريعات التي سنها كل من المجلسين، ومن أمثلتها، بالنسبة إلى مجلس النواب، قانون العفو رقم 6/2015، والقانون رقم 2/2015 بشأن إلغاء قانون العزل السياسي، ومنها، بالنسبة إلى مؤتمر الوطني العام، التعديل التاسع للإعلان الدستوري الذي جعل من الشريعة الإسلامية مصدرًا وحيدًا للتشريعات، والقانون رقم 16/2015 بشأن إلغاء القوانين الاشتراكية المقيدة للملكية العقارية، والقانون رقم 14/2015 الذي عدل من القانون رقم 10/1984 بشأن الزواج والطلاق على نحو قلص من الحقوق التي منحها هذا الأخير للمرأة. ولم تنج الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور من الاشتباه، فقد استند البعض في نقدهم لمشروع الدستور الذي وضعته الهيئة عام 2017 إلى تجاوزها المدة التي حددها الإعلان الدستوري.[33] وحين وُقِّعَ الاتفاق السياسي في ديسمبر 2015، كان المؤمل أن يؤمن المشروعية للأجسام التي أنشأها، ولكن لأن مجلس النواب لم يضمنه الإعلان الدستوري، فقد طال التشكيك حكومة الوفاق الوطني وتشريعاتها، ومنها ما يتعلق بمعالجة انتهاكات الملكية العقارية التي ارتكبها النظام السابق[34].

والتشكك في مشروعية التشريعات يتعدى واضعها إلى عملية وضعها، أي التشكك في التزام السياق القانوني المقرر. والفرض هنا، بالطبع، أن هناك سياقًا مقررًا، والدراسة تبيّن أن هذا الافتراض لم يكن صادقًا في الكثير من الحالات. فعلى سبيل المثال، صيغت المادة (30) من الإعلان الدستوري، التي تتضمن ما يعرف بخارطة طريق المرحلة الانتقالية، بشكل سري، ولم يكن معروفًا، حتى بالنسبة إلى اللجنة التي صاغت مسودة الإعلان، كيف تم تضمين الإعلان هذه المادة ومن ضمّنها.[35] بالطبع، فإن الجهة التي أصدرت الإعلان، أي المجلس الانتقالي، تملك سلطة إدخال تغيير كهذا، ولكن كان ينبغي عليها أن تبيّن الحكمة الداعية له، وأن تكون أكثر شفافية حول آلية قيامها بذلك.

ولم تكن صناعة التشريعات في عهد المؤتمر الوطني العام مختلفة على نحو كبير، ويشكل القانون رقم 13/2012 بشأن العزل السياسي والإداري مثلًا واضحا على ذلك. فبناءً على معايير غامضة وبعيدة المدى، استبعد هذا القانون العديد من الأشخاص من شغل وظائف عامة لمدة عشر سنوات؛ بسبب افتراض علاقتهم بالنظام السابق. ولأن هناك احتمالًا كبيرًا أن ينتهك القانون حقوقًا أساسية أكدها الإعلان الدستوري، ويكون بالتالي عرضة لأن تلغيه المحكمة العليا إعمالًا لرقابتها الدستورية، فإن الأخير، أي الإعلان الدستوري، قد خضع لتعديل ضمّنه نصًا صرّح بأن وضع قانون للعزل السياسي لا يشكل انتهاكًا لأحكامه، أي أحكام الإعلان. لا عجب إذن أن رأى البعض في هذا القانون سلاحًا سياسيًا في يد الغالبية التي تحكمت في المؤتمر الوطني للتخلص من خصومهم السياسيين[36]. ولم تصحب القانون مذكرة شارحة، ولم تُتَح للعامة محاضر الجلسات التي نوقشت فيها مواده، وقد فتح هذا الباب أمام تبادل الاتهامات بين الغرماء السياسيين حول طريقة صياغة القانون وسنه[37].

وفي النهج الذي اتبعه مجلس النواب في التعامل مع قانون العزل السياسي دليل آخر على غياب قواعد واضحة تحكم صناعة التشريعات، وكيف أدى هذا إلى إعاقة أي رقابة أو مراجعة. بتاريخ 2 فبراير 2015، ناقش مجلس النواب القانون، ولكن لم يكن واضحًا في حينها ما الذي قرره في شأنه. من ناحية أولى، روى البعض أن المجلس قد قرر تعليق العمل بالقانون، ولكن بعض أعضائه صرحوا بأن القرار كان بإلغاء القانون كلية[38].

وفي الحالات التي وجد فيها سياق إجرائي محدد، لم يكن التزامه مسلكًا دائمًا لجهات التشريع. فعلى سبيل المثل، لم يراع المؤتمر الوطني العام النصاب المقرر حين عدّل الإعلان الدستوري للمرة السابعة توطئة لانتخاب مجلس النواب، وقد كان هذا سند المحكمة العليا في الحكم بعدم دستورية هذا التعديل. وكذلك، فإن الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور أجرت تعديلًا للائحتها الداخلية، يتعلق بنصاب التصويت، لم تلتزم في إجراءاته بالسياق المقرر، واستندت إلى النصاب المُعَدل في اعتماد مشروع الدستور لعام 2016. وقد كانت هذه المخالفة الإجرائية سند محكمة استئناف الجبل الأخضر في إلغاء قرار الهيئة إحالة مشروعها إلى مجلس النواب توطئة لسن قانون الاستفتاء عليه[39].

وإذا كانت هذه تشريعات/ مشروعات تشريعات سُئل القضاء عن مشروعيتها، فإن هناك تشريعات كانت هي أيضا محل تشكك في مشروعيتها، وإن لم يُسأل القضاء بعد عن مشروعيتها. ومن هذه تشريعات كثيرة لمجلس النواب اُدعي في شأنها عدم تحقق نصاب اتخاذ القرارات، وتشريعات دفع بمخالفتها لما أقر في جلسات سنها، مثل ما حدث في شأن قانون العزل السياسي على النحو السالف بيانه. والأمثلة الأخرى تشمل قرارات المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني التي أنفرد رئيسها، أو بمعية بعض نوابه، بإصدارها في حالات استلزم الاتفاق السياسي المؤسس لهذا المجلس إجماع الرئيس وكل نوابه عليها. وهذا ما حدا ببعض هؤلاء إلى الاحتجاج على مشروعيتها[40]. وتجمع بعض قرارات هذا المجلس بين تجاوز النصاب المقرر ومخالفة تشريعات سارية أعلى مقامًا، ما جعل مشروعيتها أشد مدعاة للاشتباه، ومثل هذه قرارات إحياء لجان التعويض عن القانون رقم 4/1978 سبق لقانون العدالة الانتقالية رقم 29/2013 أن ألغاها[41].

3. الشرعية

كي تحقق التشريعات أهدافها، لا بد أن تحظى بقبول مجتمعي. وهذا يستلزم الاستهداء بتوجه المجتمع، عموم أفراده وذوي الخبرة منهم، إزاء مدى الحاجة إلى التشريع ومحتواه، والحرص على توسعة دائرة المشاركة في صناعة التشريعات. وتكشف الدراسة عن ضعف حظ تشريعات ما بعد فبراير 2011 من هذا القبول.

وللتحقق من قبول تشريع ما مجتمعيًا، ينبغي على جهات التشريع أن تطلع على آراء أفراد المجتمع كما كشفت عنها استطلاعات الرأي والمسوح الموثوقة. وبالنسبة إلى آراء ذوي الخبرة منهم، فإن معرفتها متاحة من خلال وسائط مختلفة مثل أعمال المؤتمرات واللقاءات العلمية والصحف السيارة ووسائل التواصل الإعلامي. ولأجل تمكين أفراد المجتمع من المشاركة في صناعة التشريع، فإنه يمكن، بل ينبغي، إتاحة مشروعات التشريعات عبر وسائط الإعلام المختلفة والمواقع الإلكترونية الرسمية التابعة لجهة التشريع، ودعوة المواطنين للتعليق عليها وتقديم اقتراحات بشأنها. وبالنسبة إلى الخبراء، فيمكن تشكيل لجان تضمهم لدراسة المشكلات التي يراد وضع تشريع لمعالجتها، وتحديد ما ينبغي أن تكون عليه هذه المعالجة، ومراجعة ما أعد من مشروعات تشريعات.

وبناء على ما سبق؛ يتضح تواضع نصيب تشريعات ما بعد فبراير 2011 من القبول المجتمعي. فجهات التشريع لم تسع، كما ينبغي لها، إلى التعرف إلى آراء أفراد المجتمع، ولم تسلك في ذلك، بالتالي، بعضًا من الطرق آنفة الذكر. وتجدر هنا الإشارة إلى مسلك يبدو مثل الاستثناء في هذا الخضم، وهو حرص وزارة العدل، وخصوصا خلال عهد صلاح المرغني، وزير العدل الأسبق، على النشر المنتظم لمشروعات القوانين التي شاركت الوزارة في إعدادها، وفي بعض الحالات، مذكراتها الإيضاحية. وفي حين لا يكفل النشر في حد ذاته مساهمة أفراد المجتمع في صناعة التشريع، فإنه مقدمة ضرورية لها.

وتؤمن قضية مصدرية الشريعة الإسلامية مثلًا على حالات تماهي فيه المشرع مع توجهات المجتمع وأخرى حاد فيها عنها. فقد كشفت استطلاعات الرأي عن توجه غالبية أفراد المجتمع إلى إسناد دور هام للشريعة الإسلامية بوصفها مصدرًا رئيسيًا، أو الرئيس، للتشريع، ولكن دون إغفال مصادر الاستلهام الأخرى[42]. وقد استجاب المجلس الانتقالي لهذا التوجه بنصه في الإعلان الدستوري على أن الشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع، خلافًا للمؤتمر الوطني العام الذي عدّل الإعلان ليجعلها المصدر الوحيد، ومثله في هذا الهيئة التأسيسية التي ضمنت مشروعها لعام 2017 نصًا يمكن فهمه بوجاهة على أنه يحصر المصدرية في الشريعة الإسلامية.

وتؤمن العدالة الانتقالية مثلًا آخر على حالات تماهى فيه المشرع مع توجهات المجتمع، وأخرى أعرض فيها عن هذه التوجهات. فالبحث يكشف عن توجه غالبية المجتمع إلى تفضيل تطبيق العدالة الانتقالية، دون إبطاء، بما يتضمنه هذا من كشف لحقيقة الانتهاكات، ومساءلة المسؤولين عنها، وجبر ضرر ضحاياها وإصلاح ما تورط فيها من مؤسسات على نحو يمنع تكرارها[43]. وفي هذا السياق، يحسب لمشروع الدستور لعام 2017 تكريسه لأسس العدالة الانتقالية، فهو يلزم الدولة بوضع قانون ينظم كشف الحقيقة، وجبر الضرر، ومساءلة الجناة، وإصلاح المؤسسات، ويتجاوز عقبات قانونية مثل التمسك بعدم رجعية التشريعات، خصوصًا الجنائية منها، والتقادم، والتمسك بمكتسبات تشريعات عدل-انتقالية معيبة كتشريع العفو المطلق. ولكن قد يؤخذ عليه إسقاطه نصًا مهمًا تضمنته مسودة عام 2016 أوجب على الدولة فحص بعض المؤسسات العامة لإصلاحها بنيويًا واستبعاد من تورط من منتسبيها في انتهاكات حقوق الإنسان، وتفكيك التنظيمات المسلحة كافة ونزع أسلحتها وإعادة التأهيل النفسي والمهني لأفرادها. وعلى الرغم من أن بعض هذه الأحكام يمكن تخريجها من خلال النصوص المكرسة للإصلاح المؤسسي، بوصفه ركنًا من أركان العدالة الانتقالية، فإنه قد كان من الأولى تضمينها في الدستور صراحة لضمان الاستجابة لآراء مجتمعية واسعة تنادي بمدنية الدولة، وتكريس احتكارها لمؤسستي الجيش والشرطة، وإصلاحهما.

وأما عن قانون العدالة الانتقالية رقم 29/2013، فقد جاء استجابة قاصرة لرغبة مجتمعية في تحقيق العدالة الانتقالية. فبسبب نزعة ثورية طبعت عمل المشرع حينها، المؤتمر الوطني العام، جاء قانونًا تمييزيًا ناقصًا وصعب التطبيق. فهو، أولًا، يميز بين انتهاكات حقوق الإنسان بحسب مرتكبيها، فيدينها ويلاحق بالمساءلة من نسبت إليه من أنصار النظام السابق، ويكاد يتغاضى عن انتهاكات القوى الثورية التي ثارت ضد هذا النظام. وهو، ثانيًا، يسقط فصلًا كاملًا حول فحص المؤسسات، بدعوى أن قانون العزل السياسي يسد مسده. القانون، ثالثًا، يقيد تطبيقه بلائحة تنفيذية يحيل في إصدارها، خلاف المعهود، إلى المجلس التشريعي.

وفي سن قانون العدالة الانتقالية المرتبك، تجاهل المؤتمر الوطني العام آراء خبراء وطنيين وأجانب. فقد أعد مشروع القانون خبراء وطنيون وأسهم في تحسينه “المركز الدولي للعدالة الانتقالية”،[44] ولكن المؤتمر الوطني أدخل عليه تعديلات انتهت به، كما سبق القول، قانونًا تمييزيًا ناقصًا وصعب التطبيق. ومن اللافت للنظر أن لجنة حقوق الإنسان في المؤتمر اعترضت في جلسة مناقشة مشروع القانون (23 سبتمبر 2013) على إعداد القانون “بطريقة فوقية من قبل المؤتمر أو مجموعة من القانونيين”، وقدمت مقترحًا يضمن مشاركة كل أطياف المجتمع في صياغة القانون بوصفه وثيقة مجتمعية. ولكن رد رئيس اللجنة التشريعية، وهو محامٍ، أكد بأن اللجنة جمعت عددًا لا يحصى من الملاحظات والمقترحات، من أعضاء المؤتمر ومنظمات محلية وإقليمية ودولية، وأعدت مشروع القانون في ضوئها. وفي حين تشكك الانتقادات الحادة الواسعة التي رمي بها قانون العدالة الانتقالية في دقة الادعاء ببناء مشروعه على تلك الملاحظات والمقترحات، فإن الرد يكشف عن لبس في فهم المشاركة المجتمعية، إذ يقصرها على تجميع ملاحظات ومقترحات، أعدها أعضاء المؤتمر ومنظمات، ولا يتطلب تواصلًا مباشرًا مع أفراد المجتمع من خلال، مثلًا، جلسات استماع لمواطنين من فئات أو خلفيات مختلفة، وخصوصًا لضحايا الانتهاكات والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وفي حين تعددت حالات الاستعانة بخبراء في إعداد مشروعات لتشريعات مختلفة،[45] فإن حالات تجاهل آراء هؤلاء الخبراء دون الإعلان عن أسباب محددة تعددت هي الأخرى. وتوفر العدالة الانتقالية هنا أيضًا مثلًا ملائمًا. فقد أعدت لجنة شكّلها وزير العدل، ومجموعة خبراء ليبيين تضمهم منظمة مجتمع مدني، مسودة أولية للقانون رقم 17/2012 بشأن المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية، عرضت على المركز الدولي للعدالة الانتقالية، وبعد مناقشتها في جلسة علمية في كلية القانون بجامعة طرابلس، عدلت المسودة، ونوقشت مع أعضاء في المجلس الوطني الانتقالي. ولكن الأخير، “أصدر القانون بعد أن أدخل عليه تعديلات غيرت بشكل جذري من فلسفته ومحتواه دون مناقشة اللجنة في ذلك. ولعل أهم هذه التعديلات حذف الفصل الخاص بالمحاكمات الجنائية بكامله الذي هو النواة الصلبة للمشروع …” [46]. ومما أعان المجلس الانتقالي على عدم الإفصاح عن مبررات تصرفاته غياب أي إلزام بجعل محاضر جلساته متاحة للعموم، أو نشر مذكرات توضيحية مصاحبة لتشريعاته.

وعلى الرغم من مزاياها الظاهرة، فإن صياغة مشروعات التشريعات على النحو الذي تم في شأن مسودة مشروع القانون رقم 17/2012 آنف الذكر قد يثير بعض الإشكاليات. فكما سبق البيان، شاركت لجنة شكّلها وزير العدل من خبراء (ad hoc لجان مشكلة حسب الحاجة)، ومنظمة مجتمع مدني ومنظمة دولية في عملية الصياغة، ولهذا مزايا لا تخفى، فاللجان المشكلة حسب الحاجة تضم، عادة، خبراء في المجال الذي يتعلق به التشريع، ووجود منظمات المجتمع المدني من شأنه أن يزيد من مستوى المشاركة في صناعة القوانين. ولكن هناك مخاطر ترتبط بانخراط هذه الأجسام في العملية التشريعية. فالخبرة التي تقدمها منظمات المجتمع الدولي قد لا تكون ملائمة لحاجات ليبيا وظروفها الخاصة، كما أن اللجوء إلى اللجان المشكلة حسب الحاجة في التشريع يزيد من تهميش مؤسسات الدولة المناط بها لعب دور رئيسي في صناعة التشريع، مثل إدارة القانون. يضاف إلى هذا، أن الاعتماد على أجسام كهذه يجعل من الصعب رقابة عملية صناعة التشريع.

4. التطبيق

تعثر التطبيق سمة غالبة للكثير من تشريعات ما بعد فبراير 2011. وأسباب هذا تتعدد، ومنها الانقسام السياسي، وما صاحبه من اقتصار الاعتراف بالتشريع على المنطقة الخاضعة لنفوذ واضعه، وعدم اتخاذ إجراءات لازمة للتطبيق مثل إصدار لائحة تنفيذية أو تشكيل لجنة أو رصد ميزانية، وهو ما قد يستشف منه غياب الإرادة السياسية.

وبالنسبة إلى أثر الانقسام السياسي على التطبيق، فإن إنكار أحد أطرافه لمشروعية الآخر قاد إلى عدم الاعتراف بتشريعاته، ومن ثم عدم تطبيقها. فإبان الانقسام بين مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام، اقتصر تطبيق تشريعات الأول على شرق البلاد وتلك التي وضعها الثاني على غربها. وعلى هذا، وعلى سبيل التمثيل، ظلت الشريعة الإسلامية في شرق البلاد، خلافًا لما قضت به تشريعات المؤتمر الوطني العام، المصدر الرئيس للتشريع، وليس الوحيد، وسن أهلية الزواج 20 سنة ميلادية، بدلا من 18، والوصية الواجبة جائزة. وعلى ذات النحو، لم تحظ تشريعات مجلس النواب بالتطبيق في غرب البلاد، ومنها، على سبيل المثل، قانون العفو رقم 6/2015.

وفي حين كان المؤمل أن ينهي الاتفاق السياسي 2015 الانقسام، ويزيل بالتالي إحدى عثرات التطبيق، فإن هذا لم يتحقق، إذ لم تطبق حكومة الوفاق الوطني نص المادة (62) القاضي تشكيلها لجنة من المختصين للنظر في القوانين والقرارات التي وضعت خلال الفترة من 4 أغسطس 2014 إلى 17 ديسمبر 2015؛ بهدف إيجاد حلول مناسبة لها. وكان يمكن لتشكيل اللجنة أن يؤمَن فرصة لمراجعة التشريعات غير المطبقة كلًا أو جزءًا. وعلى هذا، استمرت إشكالية اقتصار تطبيق تشريعات مجلس النواب على شرق البلاد دون غربها، وإن لوحظ أن بعض المحاكم في الغرب قد بدأت تطبيق قانون العفو الذي وضعه مجلس النواب “على استحياء”. وفي المقابل، لم تحظ أي من تشريعات المؤتمر الوطني العام الصادرة بعد الانقسام بالتطبيق في شرق البلاد.

وكان الاتفاق السياسي قد استحدث جسمًا جديدًا، حكومة وفاق وطني برئاسة مجلس رئاسي، لم ينل اعتراف مجلس النواب، السلطة التشريعية الوحيدة وفقًا للاتفاق السياسي. وقد قاد هذا إلى ثنائية شبيهة، إلى حد ما، بثنائية مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام. فعلى الرغم من أن المجلس الرئاسي ليس مجلسًا تشريعيًا، فقد دأب على إصدار قرارات تعالج موضوعات يفترض معالجتها بقوانين يضعها مجلس النواب. ومثلها قرارات إعادة تشكيل لجان التعويض عن القانون رقم 4/1978، التي أُلغيت بموجب القانون رقم 29/2013 بشأن العدالة الانتقالية، وقرار وضع لائحة تنفيذية للقانون الأخير على الرغم من نصه على اختصاص مجلس النواب بإصدارها. ومما عزز من هذه الثنائية، وما صاحبها من تعثر التطبيق الكامل، وجود جريدتين رسميتين، إحداهما في شرق البلاد تصدرها وزارة عدل الحكومة المؤقتة وتنشر القوانين والقرارات التي يضعها مجلس النواب وهذه الحكومة، وأخرى في غرب البلاد، تنشر ما يصدر عن حكومة الوفاق الوطني من قرارات. ويقتصر توزيع كل جريدة على منطقة نفوذ مصدرها.

غير أن الانقسام السياسي ليس السبب الوحيد في عرقلة التطبيق، فهي سمة لازمت عدة تشريعات صدرت قبل هذا الانقسام. ومن أسبابها ارتهان التطبيق لإجراءات لم تتخذ. ومثل هذا قانون العدالة الانتقالية رقم 29/2013، الذي لم يطبق بعد لأنه أحال على لائحة تنفيذية يضعها، خلافًا للمعهود، المجلس التشريعي لا الحكومة، ونص على إعادة تشكيل لجنة تقصي الحقائق. ولم يقم لا المؤتمر الوطني العام في حينها ولا مجلس النواب لاحقًا بإصدار اللائحة أو تشكيل اللجنة، على الرغم من تلقي الأخير عدة مقترحات بالخصوص.

وقد يدل التلكؤ في اتخاذ هذه الإجراءات على غياب الإرادة السياسية لتطبيق العدالة الانتقالية. هناك أشخاص، وفقًا لهذا التفسير، سوف تطالهم يد العدالة الانتقالية يشكلون جزءًا لا يستهان بقوته من السلطات التشريعية والتنفيذية والفعلية في البلاد، ولا يتوقع من مثل هؤلاء أن يتحمسوا لمسار مآله أن يقصيهم من مناصبهم ويسلبهم نفوذهم.

والقانون رقم 18/2013 بشأن حقوق المكونات الثقافية واللغوية لم يجد هو الآخر سبيله إلى التطبيق، حيث لم تقم وزارة التعليم بطباعة الكتب اللازمة لتدريس لغات هذه المكونات،[47] ورفض ديوان المحاسبة منح الإذن بالتعاقد مع معلمين لتدريس الأمازيغية[48]، وباستثناء مهرجان وحيد في نالوت، لم تقم وزارة الثقافة برعاية الموروث الثقافي لهذه الجماعات كما ينص القانون[49].

5. الرقابة

للتصدي للمشاكل آنفة الذكر، ينبغي الاستعانة بجسم ضابط لجودة التشريعات، يمارس رقابة سابقة، وقضاء فعال، يمارس أخرى لاحقة. وفي حين يوجد في النظام القانوني الليبي بالفعل إدارة للقانون يفترض بها الاضطلاع بمهام الضبط السابقة، فإن هذه الإدارة تواجه عوائق تحول دون تصديها لهذه المهام على النحو المرجو. والقضاء كذلك، تفاوت أداؤه، توفيقًا وإخفاقًا، في تكريس رقابة لاحقة ملائمة، وإن كان الإخفاق أكثر شيوعًا.

تمثل إدارة القانون بحسب قانون إنشائها رقم 6/1992 جسمًا له أن يمارس رقابة سابقة على جودة التشريعات. فهذا القانون يسند إليها، ضمن مهام أخرى، مهام صياغة مشروعات التشريعات ومراجعة المشروعات التي تعدها جهات أخرى. والسياق المتبع وفقًا لبعض أعضاء الإدارة، كما نسب إليهم تقرير لمنظمة دولية إثر مقابلتهم:

أي وزارة، أو مؤسسة ليبية، أو منظمة مجتمع مدني تستطيع اقتراح قوانين جديدة من خلال نقاش مع إدارة القانون. خلال هذه العملية، تشكل فرق عمل داخل الإدارة لمناقشة أفكار مبدئية حول مشروع القانون الجديد، ومراجعة الإطار القانوني القائم، و، إذا ما قبلت الفكرة، صياغة مشروع القانون. يحال المشروع عندها إلى المؤتمر الوطني للقراءة المبدئية. يعاد المشروع مصحوبًا بملاحظات المؤتمر إلى وزارة العدل، ومتى لزم، يعد مشروع جديد يقدم إلى مكتب رئيس الوزراء الذي يستطيع بدوره تقديم مقترحات جديدة. يقدم المشروع المُعدل إلى اللجنة التشريعية للمؤتمر الوطني، وإذا ما أقرته يعرض على المؤتمر الوطني لمناقشته. إذا وافق المؤتمر الوطني على المشروع، وقام من ثم بسنه، فإنه ينشر عندها في الجريدة الرسمية لليبيا. خلال هذه العملية، وفقًا لإدارة القانون، يتاح لكل مؤسسات المجتمع أن تقدم ملاحظاتها ومقترحاتها بوصفها جزءًا من عملية التشاور حول المشروع الجديد[50].

ولكن هذه الصورة المثالية إلى حد ما لا تجد مصداقها في الواقع. فالإدارة، بحسب ما هي عليه الآن، تبدو غير قادرة على أداء هذه المهمة على النحو المبتغى. لقد عانت من تهميش طويل الأمد خلال فترة النظام السابق، وهي الآن تعاني من قلة العاملين الأكفاء وقلة الإمكانيات اللازمة. يضاف إلى هذا، أنه يمكن، دون إلزام، لمؤسسات الدولة الأخرى أن تستعين بخدماتها، وهي مكنة قلما استخدمتها هذه المؤسسات كما بيّنت دراسات سابقة[51]. وقد كان هناك توجه، دلت عليه مخرجات سابقة لهيئة صياغة الدستور، إلى إلغاء إدارة القانون كليةً دون إنشاء بديل عنها. وهذا توجه يفتقد للوجاهة؛ إذ إن هناك حاجة ليس فقط إلى الإبقاء على إدارة القانون، وتزويدها بالموارد البشرية والمادية اللازمة لإنجاحها، بل إلى إنشاء جسم رقابي جديد على صناعة التشريعات يكون، هذه المرة، غير تابع للحكومة وشبيهًا بمجلس دولة. ولحسن الحظ، فقد عدلت الهيئة التأسيسية للدستور في آخر مسوداتها عن هذا التوجه، فكرست وجود إدارة القانون، ولكنها، من ناحية أخرى، لم تأخذ بفكرة إنشاء مجلس للدولة على الرغم من توجهها سابقًا للأخذ بها[52]. وإذا كان هذا هو شأن الرقابة السابقة على صناعة التشريعات، فهل يختلف شأن اللاحقة منها، أي الرقابة القضائية؟

يمكن للقضاء أن يقوم بدور مهم في رقابة صناعة التشريع بما يحسن من مخرجاتها، ولكن هذه المكنة النظرية لم تتجسد واقعًا في حالات كثيرة، وقد أسهم في هذا السياق السياسي المرتبك الذي عمل في ظله القضاء.

في بلد، مثل ليبيا، يقتصر دور القضاء على تطبيق القانون دون خلقه، قد يرى البعض أن دور القضاء محدود في شأن رقابة صناعة التشريع. ولكن هذا القول يتجاهل أن للقضاء تفسير النصوص في حال عدم وضوحها، وأن سلطته تتسع آنذاك بحيث تتجاوز المعنى الظاهر، وأن للقضاء، بل عليه، أن يأخذ بعين الاعتبار المتغيرات التي طرأت بعد وضع التشريع. وأكثر من هذا أن مبادئ المحكمة العليا التي تتضمنها أحكامها ملزمة لكل المحاكم والسلطات التنفيذية، ولا تتقيد بحدود القضايا التي صدرت فيها هذه الأحكام، كما أن لها رقابة تمارسها على دستورية التشريعات قد تنتهي إلى إلغاء ما تجد من هذه التشريعات مخالفًا للقواعد الدستورية. وفي حين لا تتمتع المحاكم الدنيا برقابة الإلغاء هذه، فإن لها أن تمتنع عن تطبيق أي تشريع تراه مخالفًا لهذه القواعد.

ولكن ممارسة القضاء لمهامه على هذا النحو مرهون باستقلاله. ويبيّن البحث أن السلطات الانتقالية في مبدأ أمرها حرصت على تكريس هذا الاستقلال، فأعادت تشكيل المجلس القائم على شؤونه بما استبعد ممثلي السلطة التنفيذية، وزير العدل ووكيله (الكاتب العام)، وقصرت عضويته على منتسبي الهيئات القضائية، وجعلت من الانتخاب سبيلًا لاختيار هؤلاء. ولكن لاحقًا، بعد الانقسام السياسي، جرت محاولات للتراجع عن هذه المكتسبات، فحاول وزير العدل في الحكومة المؤقتة – التي شكلها مجلس النواب – تعديل قانون نظام القضاء بحيث يعاد وزير العدل إلى رئاسة المجلس الأعلى للقضاء، وتُنشأ مجالس فرعية على مستوى محاكم الاستئناف. ولكن مجلس النواب، بتوصية من لجنته التشريعية، لم يتبن المشروع الذي قدمه الوزير خشية تسببه في إيجاد مجلسين للقضاء، ولأن في إعادة وزير العدل إلى رئاسة المجلس إنقاصًا من استقلالية القضاء[53]. وفي المقابل، سن المؤتمر الوطني العام القانون رقم 6/2015 الذي أوجب أن يكون رئيس المحكمة العليا رئيسًا للمجلس الأعلى للقضاء، مما يعني أن السلطة التشريعية، ممثلة في المؤتمر الوطني العام، ستحدد هوية رئيس المجلس بوصفها الجهة المنوط بها تعيين رئيس المحكمة العليا وفقا للقانون رقم 6/1982 بشأن إعادة تنظيم هذه المحكمة. وقد وجد بعض المتابعين في هذا تعبيرًا عن رغبة المؤتمر الوطني العام في السيطرة على المجلس الأعلى للقضاء[54]. وبالفعل، عين المؤتمر الوطني العام بموجب قراره رقم 50/2015 محمد القمودي الحافي رئيسًا للمحكمة العليا، وبالتالي رئيسًا للمجلس الأعلى للقضاء.

وعلى الرغم من فشل محاولة إنشاء مجلس موازٍ للقضاء والحفاظ، على وحدة هذا الجسم الإشرافي، فإن الانقسام السياسي قد ألقى بظلاله على المحاكم. فقد ارتبك أداؤها في شأن تطبيق تشريعات الأجسام التشريعية المتعددة، حتى في نطاق المنطقة الجغرافية الواحدة، فاعتد بعضها بتشريعات المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني وأنكرها بعض آخر. وقد واجه التفتيش القضائي مشكلة التعامل مع أحكام صادرة وفق تشريعات مختلفة، وأحيانا متضاربة، عن محاكم في شرق البلاد وغربها، وآثر الأخذ بها جميعها[55]. وهذا المسلك، وإن كان مناسبًا في صدد تقويم أداء القضاة المعنيين، فإنه لا يسع المحكمة العليا اتباعه حين يعرض عليها أمر الفصل في مدى مخالفة قرار أو لائحة ما للقانون أو إساءة تطبيقه أو تأويله. وليس للمحكمة في تلك الحالة إلا أن تفصل في مدى مشروعية التشريع المدعى مخالفته، ما يضعها في قلب الصراع حول مشروعية الأجسام السياسية المختلفة.

وقد دلت التجربة على أن هذا الوضع إن لم يذكِّ الصراع، فإنه لم يسهم في الحد منه. فحين قامت المحكمة بالنظر في دستورية التعديل السابع للإعلان الدستوري، وهو المؤسس لانتخاب مجلس النواب، حرصت على التحقق من التزام المؤتمر الوطني العام بضوابط التشريع، ولكنها لم تحرص، في المقابل، على تلاؤم حكمها مع صالح المجتمع واستقرار أنظمته. وعلى هذا، قضت المحكمة بعدم دستورية التعديل، فكافأت المؤتمر الوطني العام مرتكب المخالفة بأن أضفت المشروعية على إحيائه، وأهدرت مشروعية مجلس النواب المنتخب، وعززت، من ثم، من الانقسام الواقعي القائم حينها. وقد علل المجلس هذا الحكم بخضوع المحكمة العليا لضغوط قوى مؤيدة للمؤتمر الوطني العام في غرب البلاد، حيث مقرها. وفيما يمكن أن يُرى على أنه استجابة لضغوط قوى في شرق البلاد، حيث مقر مجلس النواب، أصدرت محكمة البيضاء الابتدائية حكمًا بانعدام حكم المحكمة العليا آنف الذكر[56].

ولعل الخشية من تكرار تجربة الحكم المتعلق بدستورية التعديل السابع هي ما دفع المحكمة العليا، بقرار من جمعيتها العمومية، إلى تجميد العمل بالدائرة الدستورية. وقد أدى هذا إلى تعليق النظر في دعاوى مهمة يتعلق بعضها بمشروعية أجسام مثل هيئة صياغة مشروع الدستور ومجلس النواب، وتشريعات مثل قانون العزل السياسي، والاتفاق السياسي. وقد رأى البعض في هذا، إنكارًا للعدالة، ونكوصًا من المحكمة عن أداء دورها[57]. وفي حين يمكن تفهم صعوبة التصدي لمثل هذه الدعاوى، فهذا يضع المحكمة في قلب الصراع السياسي، وقد يعرض سلامة قضاتها للخطر، ولكن هذه الصعوبة لا تجيز للمحكمة تجميد رقابتها الدستورية، خصوصًا أن هناك سوابق لتصدي المحكمة لقضايا حساسة سياسيًا على نحو معزز لحكم القانون، مثل حكمها بعدم دستورية القانون رقم 37/2012 بشأن [تجريم] تمجيد الطاغية[58]، وتبنيها تفسيرًا لقانون العفو رقم 35/2012 يوسع من نطاقه[59].

ويتضح مما سبق أنه، وإن كان يمكن للقضاء ممارسة دور فعّال في رقابة التشريعات، فإن الممارسة الفعلية لهذا الدور ما زالت دون المأمول.

خاتمة

تكشف الدراسة عن تأزم صناعة التشريع في ليبيا. وقد كان هذا تشخيصًا صادقًا لها في عهد القذافي، وما زال صالحًا لوصفها في الفترة التي أعقبت انتهاء هذا العهد. وإذا كان لعقيدة نظام القذافي السياسية وممارساته دور رئيس في خلق تلك الأزمة واستمرارها، فإن العقيدة السياسية للسلطات التي خلفته، رغم تفاوتها زمنًا ومكانًا، قد أثرت أيضًا، سلبًا، على صناعة التشريع. وعلى الرغم من شُحِها، فإن هناك أسبابًا للتفاؤل في مستقبل هذه الصناعة.

ومن خلال استعراض ملامح صناعة التشريع بعد فبراير 2011، يتبيّن عِظَم دور البيئة في مضاعفة أثر التحديات التي تواجه هذه الصناعة أو خلقها في المقام الأول. فهذه التحديات إما أن ترجع إلى أسباب بنيوية، فاقمت البيئة المحيطة من أثرها، وإما أن تكون وليدة هذه البيئة. وأمثلة الأولى غياب رؤية واضحة لما تقتضيه المرحلة الانتقالية، وضعف المشروعية لجهة عدم التزام السياقات القانونية المقررة، ونقصان الشرعية، أو غيابها كلية، ومحدودية التطبيق والرقابة. ومثل الثانية التشكك في مشروعية واضع التشريع. وعلى هذا، فإن دور البيئة في الحالين مهم، ومن شأن صلاحها (أو إصلاحها) أن يسهم في تحسين فرص التصدي لهذه التحديات.

ولحسن الحظ، فإن هناك إشارات تبعث على التفاؤل بهذا الصلاح. فمن ناحية أولى، نجحت جهود الحوار التي قادتها الأمم المتحدة في الوصول إلى اتفاق سياسي وحّد معظم مؤسسات الدولة، خلا العسكرية منها، وأسس لانتخابات رئاسية وبرلمانية في نهاية العام الجاري (24 ديسمبر 2021). وإذا نجحت هذه الانتخابات، ستكون هناك لأول مرة منذ فترة طويلة سلطات لا يحيط بمشروعيتها تشكك. ومن ناحية أخرى، فإن جهود الحوار تكشف عن تزايد القناعة، المعلنة على الأقل، بأن الحل لأزمة البلاد لن يكون إلا سلميًا، وأن الكل ينبغي أن يكون جزءًا منه. ولا أدل على هذا من أن الحوار قد ضم ممثلين لألوان الطيف السياسي، وخصوصًا أنصار النظام السابق ومناوئيه، وأن السلطة التنفيذية الموحدة التي نتجت عنه ضمت ممثلين لألون الطيف هذه. وفي بيئة كهذه، يأمل المرء أن يستخدم التشريع لتحقيق الانتقال دون إقصاء، أو تقصد، لأحد بناء على توجهاته السياسية.

ولكن صلاح البيئة، وإن كان ضروريًا لصلاح صناعة التشريع، فإنه غير كافٍ. فهو ضروري لأنه يهيئ الظروف الملائمة لإصلاح صناعة التشريع، ويمنع، على سبيل المثل، استخدام التشريع أداة للتحارب، ولكنه لا يغني عن التصدي للتحديات البنيوية. للتصدي لهذه، يلزم اتخاذ حزمة من التدابير تتلاءم مع كل تحدٍ. فالتحدي المتعلق بغياب رؤية ملائمة للمرحلة الانتقالية، وما تقتضيه من سياسة تشريعية ملائمة، يستلزم تدابير يتعلق بعضها بالبرلمان وبعضها الآخر بالحكومة، فيتعين على الأول أن يبلور رؤية واضحة لحاجات المرحلة الانتقالية، وأن يتقيد بها، ويفترض بالثانية أن تقترح عليه، أي على البرلمان، خطة تشريعية سنوية وسياسة تشريعية متوسطة المدى (4) ترتب بحسب الأولوية التشريعات الضرورية للفترة الانتقالية وما يستجيب لحاجات المجتمع المباشرة والحيوية.

وأما بالنسبة إلى تحدي المشروعية، فإن انتخاب أجسام تشريعية وتنفيذية، كما هو مأمول، كفيل بإزالة التشككات المتعلقة بمشروعية واضع التشريع، ولكنه غير كافٍ لإزالة تلك المتعلقة بمشروعية وضع التشريع. لعلاج هذا، يلزم اتخاذ تدابير تنظّم صناعة التشريع، فيتعين على البرلمان أن يضع قانونًا أو على الأقل نظامًا داخليا يعالج على الأقل الجوانب التالية لصناعة التشريع: معايير جودة التشريع، مراحل عملية التشريع، المشاركة، واجب إعداد مذكرات توضيحية للتشريعات، واجب الاحتفاظ بمحاضر جلسات أجهزة التشريع، واجب نشر محاضر جلسات البرلمان، النشر، وواجب تقويم القوانين. وينبغي على الحكومة أن تؤمن نشر الجريدة الرسمية على نحو منتظم، ورقيا وإلكترونيا، يمّكن من معرفة ما يصدر من تشريعات.

وأما عن تحدي الشرعية، فإن تجاوزه يقتضي اتخاذ تدابير معززة للمشاركة والشمولية والشفافية. فيتعين على البرلمان أن يكون منفتحًا بشكل أكبر أمام المشاركة، وأكثر شمولية، وتمثيلًا في عملية صناعة التشريع. وقد يعين على هذا أن يضمّن البرلمان القانون أو النظام الداخلي المتعلق بالعملية التشريعية نصًا ينظم مشاركة مؤسسات المجتمع المدني فيها، وأن ينشئ مكتبًا للدعم مكونًا من خبراء تشريعيين (من غير أعضاء البرلمان) لتقديم النصح حول مشروعات التشريعات خصوصا، وصناعة التشريع عمومًا. وفي حين قد يسوغ، أو حتى يحبذ، الحصول على مساعدة فنية دولية، فإنها ينبغي أن تنطلق من إدراك للاحتياجات المحلية والمعرفة الوطنية الموجودة بالفعل.

ولكن الاستعانة بالخبرات الوطنية أو الأجنبية ينبغي ألا يكون على حساب الدور الذي ينبغي أن تلعبه الأجسام الوطنية المتخصصة. وعلى هذا، فإن مهمة مثل صياغة التشريعات، أو مراجعة ما صيغ منها، ينبغي أن تسند إلى إدارة القانون، والتي يفترض تشكلها من صاغة تشريعات محترفين. نعم، قد يقال إن هذه الإدارة تعاني من مشكلات حقيقية تحول دون أدائها مهامها على النحو المرجو، ولكن هذا الاعتراض رغم وجاهته ينبغي ألا يقود إلى التصدي لتلك المشكلات بدلًا عن تجاهل الإدارة، فضعف الكفاءة يعالج برفعها عن طريق، مثلًا، تنظيم دورات تدريبية إثناء العمل على الصياغة التشريعية. وجدير بالتنويه في هذا الشأن تجربة رواندا بتنظيم تدريب مكثف على صناعة التشريع أُلحق به المنخرطون في هذه الصناعة في أجهزة الدولة المختلفة[60]. وقد يستحسن مستقبلًا خلق هيئة دستورية مستقلة تختص بصياغة التشريع، وإلزام مؤسسات الدولة بطلب رأيها الاستشاري في مشروعات التشريعات، وتبرير عدم الأخذ بهذا الرأي.

وإذا كان من شأن هذه التدابير التصدي لتحدي الرقابة المسبقة على صناعة التشريع، فإنها ينبغي أن تقترن بأخرى تؤمن رقابة لاحقة. وتأتي الرقابة على دستورية التشريعات في مقدمة هذه. وفي حين يسند القانون هذه المهمة بالفعل إلى المحكمة العليا، فإن هذه المحكمة قد أعرضت عن ممارستها لاعتبارات مبعثها البيئة المحيطة، كما سبق البيان. وإذا كان من شأن صلاح البيئة المأمول أن يسهم في حث المحكمة على ممارسة مهمتها الرقابية، فإن هناك حاجة إلى مراجعة القيود التي أنقصت من استقلالية القضاء، مثل تلك المتعلقة بتقرير ترؤس رئيس المحكمة العليا للمجلس الأعلى للقضاء وهو المعيّن من قبل المجلس التشريعي[61]. وفي هذا الصدد، يبدو محبذًا توجه الهيئة التأسيسية إلى تضمين الدستور محكمة دستورية تختص، ليس فقط بالرقابة القضائية على دستورية القوانين ولوائح مجلس النواب والشيوخ والتعديلات الدستورية، ولكن أيضًا بمراجعة القوانين التي حكم بعدم دستوريتها قبل إعادة إصدارها. ومن الجدير بالتنويه كذلك أن المحكمة الدستورية ستختص بنظر الدعاوى المتعلقة بعدم وفاء السلطة التشريعية بالتزاماتها الدستورية. وعلى هذا، فإن بالإمكان، مثلًا، مقاضاة السلطة التشريعية بسبب نكولها عن سن تشريع لازم لوضع نص دستوري موضع التطبيق. وهذا نص من شأنه التقليل من حالات عدم التطبيق. فكما سبق البيان، فإن من أهم أسباب تعثر التطبيق عدم اتخاذ تدابير لازمة مثل إصدار لائحة تنفيذية أو تشكيل لجنة أو رصد ميزانية، وقد يكشف هذا عن غيبة الإرادة السياسية. ولا شك في أن مكنة مقاضاة السلطة التشريعية إذا نكلت عن تفعيل نصوص دستورية مثل تلك المتعلقة بتعزيز وحماية حقوق الإنسان ستسهم في تعزيز تطبيق الدستور. وإذا اقترن هذا بإنهاء الانقسام السياسي على نحو مستدام بانتخاب أجسام تشريعية وتنفيذية جديدة، فإن فرص تطبيق التشريع عمومًا ستتعزز. وهذا ما يبعث التفاؤل بأن مستقبل صناعة التشريع في ليبيا قد يكون أفضل من حاضره.

[1] قام على تنفيذ هذا المشروع مركز دراسات القانون والمجتمع بجامعة بنغازي بالتعاون مع مؤسسة فان فولينهوفين بجامعة ليدن، خلال أعوام 2018-2020، والباحث مدين بالشكر لخبراء المشروع وباحثيه الرئيسين، وهم: د. نجيب الحصادي، د. زاهي المغيربي، د. الكوني اعبودة، د. جازية شعيتير، د. هالة الأطرش، أ. لجين الأوجلي وأ. فتحي موسى.

[2] المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر. 2008. توصيات المؤتمر العلمي نحو تطوير التشريع في ليبيا. صحيفة الحرية. متاح لدى: https://is.gd/b6SXFr . تاريخ الدخول: 13 يونيو 2021.

[3] وفقًا لمحمد سالم دراه، “طرح المجتمعون في اللجنة التحضيرية عنونًا للمؤتمر “أزمة التشريع في ليبيا” واعترض البعض على هذا التوصيف (بالتلطيف) واقترحوا “نحو تطوير التشريع في ليبيا”.”وقد عقب دراه على ذلك بأن “العبرة بالعمل على دراسة “التشريع” وإشكالياته في ليبيا، ومحاولة إيجاد آليات ومقترحات للتطوير، نظرًا إلى أن التوصيف سواء (بالأزمة) أم (نحو التطوير) لا يخلو من آثار الإحساس بالمشكلة”. دراه، محمد سالم. (2007) الرقابة القضائية لدستورية القوانين في ليبيا طبقًا للقانون رقم (17/1423) فقهًا وقضاءً. المحامي. العدد 69-70. ص ص 9-22.

[4] انظر في عرض هذه المناقشة والآراء المختلفة رسالة ناصر الغيطة:

Algheitta, N. F. 2011. Protecting human rights of the accused in the Libyan criminal justice system. University of Aberdeen: doctoral dissertation. Pp 61-66.

[5] Ibrahim, S. 2013. “Libya’s Supreme Court and the Position of Sharia, in the Perspective of Constitutional and Legal History.” In Searching for Justice in Post-Gaddafi Libya – A Socio-Legal Exploration of People’s Concerns and Institutional Responses at Home and from Abroad, ed. J.M. Otto, J. Carlisle and S. Ibrahim. Leiden University: Van Vollenhoven Institute, 54-76.

[6] Ibrahim, S. 2013. “Libya’s Supreme Court and the Position of Sharia, in the Perspective of Constitutional and Legal History.” In Searching for Justice in Post-Gaddafi Libya – A Socio-Legal Exploration of People’s Concerns and Institutional Responses at Home and from Abroad, ed. J.M. Otto, J. Carlisle and S. Ibrahim. Leiden University: Van Vollenhoven Institute, 54-76.

[7] الهوني، محمد عبد المطلب. 2015. سيف القذافي، مكر السياسة وسخرية الأقدار. ص ص 133-136. محمد، خالد. ليبيا تبحث مشروع دستور جديد. 2008. الشرق الأوسط (العدد 10973. 13 ديسمبر 2008). متاح لدى:

http://archive.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=10973&article=498705#.VxvO9qN95-W تاريخ الدخول: 13 يونيو 2021.

Ibrahim S.M.K. (2020), Citizenship and political participation in post-Qaddafi Libya: The long and winding road to a new social contract. In: Meijer, R.; Sater, J.N.; Babar, Z.R. (Eds.) Routledge Handbook of Citizenship in the Middle East and North Africa. London: Routledge. 378-392.

[8] سيف الإسلام يقول إن ليبيا “ليست مصر وتونس” ويعلن أن مسودة دستور جديد جاهزة. 2011. فرانس24. (20 أبريل 2011). متاح عبر: https://is.gd/pInedb . تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[9] Sawani, Y., & Pack, J. (2013). Libyan constitutionality and sovereignty post-Qadhafi: the Islamist, regionalist, and Amazigh challenges. The Journal of North African Studies, 18(4), 523-543. 527.

[10] على سبيل المثال، رئيس المجلس، مصطفى عبد الجليل كان آخر وزير للعدل قبل ثورة فبراير.

[11] البعجة، فتحي، عضو المجلس الوطني الانتقالي. مقابلة مع لجين الأوجلي. بنغازي. 22 يوليو 2018.

[12] في شرح تفصيلي لكيفية صدور قانون العزل السياسي، والدور الذي لعبته تنسيقية العزل السياسي، انظر الشلوي، عبد الفتاح بورواق (2015). أسرار تحت قبة البرلمان، 700 يوم بالمؤتمر الوطني العام. مصراتة: دار ومكتبة الشعب. ص ص 216 – 256.

[13] عبّر المفتي عن ضيقه من استغراق المؤتمر وقته في: “قضايا تنظيمية ومسائل قانونية، ومساجلات فكرية، وملاسنات كلامية، وحقائب حزبية، ومحاصصات وظيفية، وانحيازات جهوية”. الغرياني، الصادق عبد الرحمن (2012) بناء الدولة 1. متاح عبر موقع دار الإفتاء:

https://ifta.ly/%d8%a8%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%88%d9%84%d8%a9-1/282/، تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[14] انظر على سبيل المثال، المهير، خالد (2014) ” “لا للتمديد” بليبيا.. وجدل المراحل الانتقالية والرئاسة”. متاح عبر:

https://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2014/2/19/%D9%84%D8%A7-%D9%84%D9%84%D8%AA%D9%85%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%A8%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%AC%D8%AF%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D9%84 تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[15] المؤتمر الوطني العام. الجريدة الرسمية العدد 4، السنة الثالثة، 5 يوليو 2014.

[16] انظر، على سبيل المثال، اينجل، أندرو (2014). ليبيا وخطر الحرب الأهلية المتنامي. متاح عبر:

https://www.afrigatenews.net/a/13919 . تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[17] انظر (2014). “ليبيا: التيار “المدني” يتقدم على الإسلاميين في انتخابات البرلمان”. متاح عبر:

https://www.france24.com تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[18] في مقابلة مع أبوبكر بعيرة، عضو مجلس النواب، ذكر سببًا آخر لقيام المجلس بسن القانون رقم 7 لتأجيل حظر التعامل بالفوائد إلى يناير 2020، وهو حاجة الحكومة المؤقتة، في شرق البلاد، إلى الاقتراض، واشتراط المصارف الحصول على عائد من عملية الإقراض. كما أن المجلس، وفقًا لرأيه، أقل تشددا دينيًا من المؤتمر الوطني العام. بعيرة، أبو بكر. مقابلة مع شعيتير، جازية. بنغازي. 25 يوليو 2018.

[19] انظر إبراهيم، سليمان (2017) صناعة الدستور في ليبيا ما بعد القذافي. في شعيتير، جازية وآخرين (تحرير). معايرة لمشروع الدستور الليبي. بنغازي: مركز دراسات القانون والمجتمع. 187 – 210. ص 191.

[20] لم يشارك في الانتخابات إلا 45% من الناخبين المسجلين، وهذا يعني أن التصويت الفعلي اقتصر على أقل من 14% ممن يحق لهم التصويت، ويعني أيضًا أنه قد شارك في انتخاب الهيئة أقل من 10٪ من الشعب. انظر:

Eljarh, Mohamed. 28 April 2014. “Libya’s assembly faces major challenges.” Middle East Eye. http://www.middleeasteye.net/columns/libyas-assembly-faces-major-challenges-1273681924. Last accessed 26 November 2018.

[21] انظر على سبيل المثال: “بيان التبو والطوارق بشأن تعليق عضويتهم في الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور”. 23 أغسطس 2015. مذاع عبر يوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=sUVQ80qaY14 . تاريخ آخر دخول: 26 نوفمبر 2018.

[22] إبراهيم. المرجع السابق.

[23] العربي، محمد. الاتفاق السياسي الليبي … مساره وأسئلة حول مصيره. (2017) العربية. 14 ديسمبر 2017. متاح عبر: https://is.gd/VIYOfY. تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[24] “ملاحظات لدار الإفتاء الليبية على مسودة الاتفاق السياسي”. ليبيا الخبر. متاح عبر: https://is.gd/BtiiiV. تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[25] انظر تقرير المجموعة الدولية للأزمات (2016). الاتفاق السياسي الليبي وضرورة إعادة صياغته. متاح عبر:

https://d2071andvip0wj.cloudfront.net/170-the-libyan-political-agreement-time-for-a-reset-arabic.pdf . تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[26] جبريل، محمد، أمين شؤون النقابات بالمؤتمر الشعبي العام (ما يعادل البرلمان في عهد القذافي) مقابلة مع موسى، فتحي. المرج. 9 أغسطس 2018. محمد جبريل

[27] أسماء خليفة، ناشطة أمازيغية. مقابلة عبر سكايب مع إبراهيم، سليمان. 1 أكتوبر 2018.

[28] “رسائل سلامة إلى المشاركين في اجتماع لجنة الحوار بتونس”. الوسط. 26 سبتمبر 2017. متاح عبر:

http://alwasat.ly/news/libya/144626 تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[29] ليبيا.. طرابلس تسقط تهمة عن رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية السابق في “قضية بوسليم”. 2019. RT. 15 ديسمبر 2019. متاح عبر: https://is.gd/ZjbI0j . تاريخ آخر دخول 13 يونيو 2021.

[30]حوى مشروع القانون فصلًا عن “فحص المؤسسات” (الفصل الثالث)، ولكنه أسقط من المشروع دون تصحيح ترتيب الفصول بعد حذفه، فتلا الفصل الرابع الفصل الثاني! يمكن الاطلاع على نصّ المشروع، وعلى الملاحظات التي أبداها المركز الدولي للعدالة الانتقالية عليه، عبر موقع المركز: https://www.ictj.org/ar/news/ictj-comments-on-libya-draft-law-on-transitional-justice (تاريخ الدخول 26 يونيو 2020)، كما يمكن الاطلاع على نص القانون من خلال موقع وزارة العدل: https://aladel.gov.ly/home/uploads/sections/458_Transitional_Justice_Law.pdf، تاريخ آخر دخول 26 يونيو 2021.

[31] عصام الماوي محام ورئيس مجلس الحقوق والحريات سابقًا، لقاء معمق، البيضاء، 21 يناير 2020.

[32] الطعن الدستوري رقم 17 لسنة 61 ق. 6 نوفمبر 2014. متاح عبر الرابط التالي:

https://www.alyassir.com/index.php?pid=5&i=1&f=38 . تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[33] انظر على سبيل المثل سعد العكر (2018). عن هيئة صياغة مشروع الدستور، وفقًا للقانون! المرصد. 4 أغسطس 2018. متاح عبر الإنترنت:

https://almarsad.co/2018/08/04/%D8%A8%D9%82%D9%84%D9%85-%D8%B3%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%83%D8%B1-%D8%B9%D9%86-%D9%87%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D8%B5%D9%8A%D8%A7%D8%BA%D8%A9-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3/ تاريخ أخر دخول 13 يونيو 2021.

[34] زايد هدية. 2019. رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح: حكومة الوفاق ليست شرعية. 31 مايو 2019. اندبندنت عربية. متاح عبر: https://is.gd/S5gznQ. تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[35] انظر خالد زيو. 2015. حول قانون انتخابات المؤتمر الوطني العام رقم 4 لسنة 2012 وأثره على الحياة السياسية في ليبيا. في سليمان إبراهيم وجان ميخائيل أوتو (تحرير). تقويم تشريعات ليبيا لأجل إعادة البناء. بنغازي: مركز دراسات القانون والمجتمع؛ ليدن:

مؤسسة فان فولينهوفين للقانون والحوكمة. متاح عبر الانترنت:

https://www.universiteitleiden.nl/binaries/content/assets/rechtsgeleerdheid/instituut-voor-metajuridica/assessing-legislation-for-libyas-reconstruction-project-report.pdf تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[36] انظر، على سبيل المثال، ما قاله مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي في مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط. 23 أكتوبر 2013. متاحة لدى: http://aawsat.com/home/article/6912 تاريخ الدخول: 13 يونيو 2021.

[37] انظر المقابلة التي أجراها محمود جبريل، رئيس تحالف القوى الوطنية، ورئيس المكتب التنفيذي للمجلس الوطني الانتقالي. الشرق الأوسط. 05 يونيو 2013. متاح لدى:

http://archive.aawsat.com/details.asp?section=4&article=731292&issueno=12608#.Vknaw4RdKtc. تاريخ الدخول: 13 يونيو 2021.

[38] انظر: “العباني يؤكد إلغاء قانون العزل السياسي وليس تجميده”. بوابة الوسط. 3 فبراير 2015. متاح لدى: http://www.alwasat.ly/ar/news/libya/59531/ . تاريخ الدخول: 13 يونيو 2021.

[39] “استئناف البيضاء” تلغي قرار “التأسيسية” بتعديل اللائحة الداخلية (2016). تلفزيون 218. 7 ديسمبر 2016. متاح عبر الإنترنت:

https://www.218tv.net/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%A6%D9%86%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D8%AA%D9%84%D8%BA%D9%8A-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A3%D8%B3%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D8%A9/تاريخ آخر دخول 13 يونيو 2021.

[40] تصاعد الخلافات داخل حكومة الوفاق (2020). بوابة إفريقيا. 29 يوليو 2020. متاح عبر الإنترنت:

https://www.afrigatenews.net/article/%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%A7%D8%AA-%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84-%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%81%D8%A7%D9%82/ تاريخ آخر دخول 13 يونيو 2021.

[41] Ibrahim S.M.K. (2019), Seeking Justice for Property Grievances in Post-2011 Libya. In: Baumann, H. (Ed.) Reclaiming Home: The struggle for socially just housing, land and property rights in Syria, Iraq and Libya.: Friedrich-Ebert-Stiftung. 49-60.

[42] نتائج المسح الوطني الشامل حول الدستور، جامعة بنغازي. 2013. متاح عبر الرابط التالي:

https://constitutionnet.org/vl/item/lybya-ntayj-almsh-alwtny-alshaml-hwl-aldstwr-jamt-bnghazy-2013 . تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[43] سليمان إبراهيم ونجيب الحصادي(2020). تقرير عن المرحلة البحثية الرابعة حول العدالة الانتقالية (أكتوبر 2019 – إبريل 2020) من مشروع دور القانون في المصالحة الوطنية في ليبيا. بنغازي: مركز دراسات القانون والمجتمع؛ ليدن: مؤسسة فان فولينهوفين للقانون والحوكمة والمجتمع، ليدن.

[44] يمكن الاطلاع على نصّ المشروع، وعلى الملاحظات التي أبداها المركز الدولي للعدالة الانتقالية عليه، عبر موقع المركز:

https://www.ictj.org/ar/news/ictj-comments-on-libya-draft-law-on-transitional-justice (تاريخ الدخول 26 يونيو 2020)، كما يمكن الاطلاع على نص القانون من خلال موقع وزارة العدل:

https://aladel.gov.ly/home/uploads/sections/458_Transitional_Justice_Law.pdf، تاريخ آخر دخول 26 يونيو 2021.

[45] على سبيل المثل، شكّل المجلس الانتقالي لجنة برئاسة فرج الصلابي، مستشار بالمحكمة العليا، لصياغة الإعلان الدستوري، وخلفه المؤتمر الوطني شكل لجنة عرفت بلجنة فبراير لتقديم مقترحات لتعديل هذا الإعلان، تتعلق أساسًا بجسم جديد يخلف المؤتمر الوطني وقانون ينظم انتخاب هذا الجسم. ضمت اللجنة خمسة عشر عضوًا، منهم أكاديميون ومحامون ونشطاء مجتمع مدني وأعضاء من المؤتمر الوطني، وترأسها الكوني أعبودة، أستاذ القانون بجامعة طرابلس. وقد شكلت مقترحات هذه اللجنة محتوى التعديل السابع للإعلان الدستوري. أمثلة أخرى على هذه اللجان نجدها في لجنة شكلتها وزارة التعليم العالي من أساتذة جامعيين لصياغة مشروع قانون للجامعات، وأخرى شكلتها شبكة ليبيا للتجارة لصياغة مشروع قانون ينظم التجارة الإلكترونية.

[46] الهادي أبو حمرة. بعض مشاريع القوانين التي قدمت للمجلس الوطني الانتقالي، الأصل والمآل. 09 يوليو 2012. متاح لدى:

http://archive2.libya-al-mostakbal.org/news/clicked/24496، تاريخ آخر دخول 26 يونيو 2021.

[47] مقابلة مع عصام الماوي، رئيس (ـسابق) للمجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان. البيضاء. 29 يوليو 2018.

[48] “الأعلى لأمازيغ ليبيا” يستنكر كتاب ديوان المحاسبة بشأن تدريس اللغة الأمازيغية. الوسط. 21 أبريل 2016. متاح عبر: http://alwasat.ly/news/libya/96731، تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[49] مقابلة مع جازية شعيتير. البيضاء. 29 يوليو 2018.

[50] International Legal Assistance Consortium (ILAC). 2013. Rule of Law Assessment Report: Libya 2013, 58,59. Available at: https://www.tawergha.org/docs/libya-ilac-rule-of-law-assessment-report-2013.pdf. Last accessed 13 June 2021.

[51] سليمان إبراهيم وجان ميخائيل أوتو (2015). تقويم تشريعات ليبيا.

 [52] تضمن مقترح الفصل الخاص بالسلطة القضائية التي أعدته إحدى اللجان النوعية التي شكلتها الهيئة التأسيسية مقترحًا بإنشاء مجلس للدولة، يكون من مهامها صياغة مشروعات القوانين. ولكن هذا المقترح أسقط من المسودات اللاحقة.

[53] مفتاح كويدير، “إنشاء جسم بديل للمجلس الأعلى للقضاء قد يؤدي للتقسيم”. 29 مارس 2015. أخبار ليبيا. متاح لدى:

http://www.akhbarlibya24.net/2015/03/29/النائب-كويدير-إنشاء-جسم-بديل-للمجلس-ال/. تاريخ آخر دخول 13 يونيو 2021.

[54] مروان الطشاني، 2015. التشريعات المتعلقة بالسلطة القضائية بعد الثورة. في سليمان إبراهيم وجان ميخائيل أوتو. مرجع سابق.

[55] مقابلة مع محمد الحافي القمودي، رئيس المجلس الأعلى للقضاء. 2 أغسطس 2018. طرابلس.

[56] محكمة البيضاء الابتدائية: حكم الدستورية بحل البرلمان “منعدم”. 2015. أخبار ليبيا 24. 5 فبراير 2015. متاح لدى:

https://is.gd/qoCPIj . تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[57] مجدي الشبعاني. 2017. هل في تعطيل المحكمة العليا للدائرة الدستورية “إنكار للعدالة”؟ عين ليبيا. 18 نوفمبر 2017. متاح عبر: https://is.gd/pr8aMw . تاريخ آخر دخول: 13 يونيو 2021.

[58] حكم المحكمة العليا في الطعن الدستوري 5/59 ق ج 14/6/2012م غير منشور.

[59] المحكمة العليا – النقض الجنائي – الطعن رقم 48 لسنة 60 قضائية بتاريخ 2 /5/ 2018.

[60] Times Reporter. 2012. Law institute introduces course in legislative drafting. 4 September 2012. Available at: https://www.newtimes.co.rw/section/read/56977 . Last accessed: 13 June 2021.

[61] مروان الطشاني. المرجع السابق.

[i] أستاذ مشارك القانون الخاص بجامعة بنغازي، ومدير مركز دراسات القانون والمجتمع بذات الجامعة، وباحث أول بمؤسسة فان فولينهوفين للقانون والحوكمة والمجتمع بجامعة ليدن.

Print Friendly, PDF & Email