ورقة موقف : مدافع يدين قمع المظاهرات السلمية في عدة مدن ويطالب باحترام حرية التعبير والحق في التظاهر السلمي ومنع الإخفاء القسري

,

باريس – 09 سبتمبر 2020

ورقة موقف

مركز مدافع يدين قمع المظاهرات السلمية في ليبيا

ويطالب باحترام حرية التعبير والحق في التظاهر السلمي ومنع الإخفاء القسري

يُعبِّر مركز مدافع لحقوق الإنسان عن إدانته البالغة لقمع السلطات الحاكمة في غرب وشرق ليبيا للاحتجاجات السلمية للمواطنين الليبيين الذين تظاهروا في المدن المختلفة؛ سواء للمطالبة بحقوقهم المشروعة في الحصول على الخدمات الأساسية أو للتعبير السلمي عن آراءهم السياسية. وبينما يستنكر مركز مدافع لجوء السلطات الليبية، والمجموعات المسلحة الموالية لكل منها، لاستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان؛ فإنه يدعو السلطات الحاكمة في الغرب والشرق إلى إطلاق سراح المعتقلين والمختفين قسريًا وإلغاء كافة القيود على حرية التعبير والصحافة والتجمع السلمي والتنقل، وفتح تحقيقات عاجلة في انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت خلال قمع الاحتجاجات وإعلان نتائجها، ومحاسبة كل الجهات والأفراد المتورطين في قمع المتظاهرين وإنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب التي باتت متفشية في ليبيا كالوباء.

طرابلس : القوة المفرطة في مواجهة مطالب المتظاهرين 

منذ مطلع الشهر الماضي شهدت عدة مدن ليبية دعوات مكثفة للتظاهر والاحتجاج على الأوضاع المعيشية والفساد. وبدلا من أن تستجيب السلطات بإجراء إصلاحات عاجلة في منظومة الخدمات الأساسية وفحص شكاوى المواطنين ومعالجة أوجه القصور؛ لجأت إلى الحلول الأمنية القديمة، فقامت بالتحريض ضد الداعين للاحتجاج على مواقع التواصل الاجتماعي، واتهمتهم بالخيانة واستهداف الإضرار بأمن البلاد. ولكن بالرغم من ذلك نجحت دعوات الاحتجاج في غرب ليبيا في أن تلقى استجابة واسعة النطاق من المواطنين الليبيين الذين يرزحون منذ سنوات تحت وطأة انتهاكات حقوق الإنسان وانهيار منظومة الخدمات. يقول مدافع ليبي عن حقوق الإنسان: “”انقطاع الكهرباء كان معتادًا قبل 4 أبريل 2019، لكن بالتأكيد الهجوم على العاصمة فاقم من الأمر. وبينما يعاني المواطن من عدم توافر الاحتياجات الأساسية فإنه يرى السلطات تغدق الأموال على الميليشيات والمرتزقة. لا توجد سلطة في ليبيا تهتم بأمر المواطنين“.

في 23 أغسطس شهدت طرابلس والزاوية ومصراتة مظاهرات سلمية، شارك بها مئات المواطنين للاحتجاج على الفساد وأداء المجلس الرئاسي وعلى الظروف المعيشية المتردية التي يعانون منها، بما في ذلك عدم توفير الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والمحروقات وانعدام السيولة النقدية بالمصارف وتدهور الخدمات الصحية في ظل الجائحة. وكان رد فعل السلطات الحاكمة والمجموعات المسلحة الموالية لها هو نشر القوات المدججة بالأسلحة الثقيلة لترهيب الراغبين في التظاهر، وإغلاق ميدان الشهداء واعتقال أفراد ومجموعات كانوا متجهين للميدان، والاستخدام المفرط للقوة وإطلاق الرصاص العشوائي لتفريق المحتجين؛ الأمر الذي نجم عنه إصابة عدد منهم، بالإضافة إلى الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري لعدد غير معلوم من المتظاهرين والمنظمين للاحتجاجات.

وفي 23 أغسطس، أصدرت وزارة داخلية حكومة الوفاق الوطني بيانًا تتنصل فيه من مسئوليتها سواء عن التقصير في حماية المتظاهرين أو عن إطلاق النار عليهم وإصابة بعضهم، واتهمت أشخاصًا، وصفتهم بالمندسين، بإطلاق النار، وهي نفس المزاعم التي استخدمها فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي ورئيس حكومة الوفاق في كلمة متلفزة. وبرغم اعتراف الوزارة بأنها رصدت هؤلاء المندسين و”تعرفت عليهم”، إلا أنها لم تعلن عن هويتهم ولم تلق القبض عليهم. كما لم تعلن الداخلية عن الجهة التي اختطفت المتظاهرين ومكان احتجازهم. بالإضافة إلى ذلك، أصدرت غرفة العمليات العسكرية المشتركة بالمنطقة الغربية في 26 أغسطس بيانًا يهاجم المتظاهرين ويصفهم بـ “الغوغائيين” وينتقد إعلان نقابة المحامين انضمامها للمتظاهرين. وكانت طرابلس قد شهدت في وقت متأخر من ليلة 24 أغسطس حملة اعتقالات واسعة للنشطاء المنظمين للحراك من منازلهم، قبل أن تتفاقم حملة القمع في الأيام التالية لتشهد اختطاف عدد كبير من النشطاء المنظمين لحراك 23 أغسطس والصحفيين. وفي 28 أغسطس، شهدت منطقة غوط الشعّال مقتل سند عمر المقرحي خلال إطلاق المسلحين النار على المتظاهرين.

وتضم قائمة النشطاء المختطفين التي رصدها مركز مدافع كل من:

(م. ك) و(م.ب) و(س.ق) و(ط. ق) و(ن.ز) و(ص.ز) و(م. ق) و(م. ق) و(م.م) و(ف. س) و(ز.ش) و(ع. أ)، بالإضافة إلى الصحفي (س. ش). وحتى الآن لم تكشف أي جهة مسئوليتها عن اختطاف المتظاهرين والنشطاء، ولم يتم الإفصاح عن مكان وعدد ومصير المختطفين. ويُرجح عدد من المدافعين عن حقوق الإنسان الذين تواصل معهم مركز مدافع أن الجهة المسئولة عن اختطاف النشطاء هي الكتيبة المعروفة باسم (النواصي). وبينما يُفترض أن الكتيبة المذكورة موالية لحكومة الوفاق وتتلقى الأوامر منها، إلا أن مصادر عدة ترى أنها أصبحت تمثل أحد مراكز القوى المنخرطة في الصراع السياسي الداخلي في الغرب. “تتمتع الميليشيات بنفوذ واسع في الغرب، وتسيطر كل منها على منطقة. وفي نهاية المطاف لا توجد جهة واحدة مركزية بيدها القرار في ظل التنافس بين المجموعات المختلفة” يقول مدافع ليبي عن حقوق الإنسان.

وفي هذا السياق، يؤكد مركز مدافع أن تقاعس السلطات الليبية عن تجاهل مناشدات المنظمات الحقوقية، خلال السنوات الماضية، لنزع سلاح المجموعات المسلحة وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية؛ ساهم في توحشها ومنازعتها السلطات “الرسمية” الحق “المشروع” في استخدام القوة، وفي نهاية المطاف يدفع المواطن الليبي الثمن باهظًا من أمنه وسلامته وحقوقه الأساسية. وينطبق ذلك أيضًا على استخدام المرتزقة الأجانب الذين يتم جلبهم من قِبَل طرفي النزاع والجهات الداعمة لكل منهما. والمفارقة أن كل طرف يتجاهل انتهاكات المجموعات المسلحة الموالية له، بل وأحيانًا يتجاهل وجودها ذاته، بينما يهرع إلى التنديد بـ “انتهاكات” المجموعات المسلحة الأخرى. على سبيل المثال، قام المجلس الرئاسي في 26 أغسطس بإصدار بيان يدين انتهاكات “الميليشيات الخارجة عن القانون” في مدينة سرت، بينما صمت تمامًا عن الانتهاكات التي ترتكبها المجموعات المسلحة الموالية له في طرابلس، والعكس صحيح.

وفي مفارقة درامية أدان وزير الداخلية في حكومة الوفاق فتحي باشا آغا، في بيان أصدره في 27 أغسطس، واقعة الاعتداء على المتظاهرين من قِبَل مجموعات مسلحة استخدمت الأسلحة الرشاشة وأطلقت الرصاص عشوائيًا واختطفت متظاهرين وأخفتهم قسريًا. وأشار بيان الوزير إلى أنه تم رصد تلك المجموعات المسلحة والجهات المسئولة عنها واصفا إياها بأنها “مجموعة من الغوغاء الذين لا يمثلون أبطال عملية بركان الغضب الشرفاء ولا يحترمون دماء وأعراض الأبرياء من المتظاهرين السلميين”. وفي اليوم التالي لإصدار البيان أصدر المجلس الرئاسي قرارًا بإيقاف وزير الداخلية عن العمل وإحالته للتحقيق، وقد رحب آغا بالقرار مطالبا بأن تكون جلسة التحقيق علنية. وبعد تجاوز المهلة التي كان ينبغي أن يتم فيها التحقيق؛ تم استجواب آغا في 3 سبتمبر، وذلك في جلسة مغلقة وراء الأبواب، وتم إلغاء قرار إيقافه عن العمل.

وفي محاولة للسيطرة على حركة الشارع ومنع المتظاهرين من التجمع ومواصلة احتجاجاتهم السلمية؛ رفضت السلطات في طرابلس منح تصاريح بالتظاهر، كما أصدر المجلس الرئاسي في 26 أغسطس قرارًا بالحظر التام للتجوال لمدة أربعة أيام منع خلالها التنقل بين المدن، متذرعًا بانتشار جائحة كوفيد-19، ونص القرار على أنه بعد انقضاء الأربعة أيام يكون الحظر من الساعة التاسعة مساءً حتى السادسة صباحًا لمدة عشرة أيام، على أن يكون الحظر كاملا خلال يومي الجمعة والسبت من كل أسبوع.

وبحسب ما ورد إلى مركز مدافع من منظمات حقوقية محلية، تم عرض 21 محتجزًا على مكتب النائب العام، وفي مساء 2 سبتمبر تم إطلاق سراح 13 منهم، من بينهم الصحفي (س. ش) بالإضافة إلى (م.ق) و(ز. ش) و(ف. س) و(ع. أ)، وقد وجهت إليهم تهمة التظاهر دون ترخيص. وتم حبس 8 أشخاص احتياطيًا في سجن الجديدة لمدة 6 أيام، من بينهم 7 من المنظمين للمظاهرات بتهمة التظاهر دون ترخيص، بالإضافة إلى مصري بتهمة التسلل إلى ليبيا والإقامة فيها دون إذن فضلا عن التظاهر دون ترخيص.

بنغازي : منع المظاهرات وحملات امنية ضد النشطاء

وبالتوازي مع الدعوة للمظاهرات في المدن الليبية في الغرب، كانت تختمر التحضيرات لحركة احتجاجية في بنغازي وسرت. وقد تباينت المطالب التي رفعها المتظاهرين، فالبعض طالب بالقضاء على الفساد المستشري وتردي الخدمات، بينما طالب آخرين بعودة سيف الإسلام القذافي للحياة السياسية. وذلك وفقًا لشهادات حصل عليها مركز مدافع من مدافعين ليبيين عن حقوق الإنسان يتابعون التطورات في شرق ليبيا عن كثب.

وقد استطاعت السلطات في بنغازي منع التظاهر عبر التحرك الاستباقي وإغلاق ساحة الكيش برجال الأمن المدعومين بسيارات مدججة بالأسلحة الثقيلة قبل 23 أغسطس لترهيب المتظاهرين، وأكدت مجموعة حقوقية ليبية تنشط في الشرق، أن الأجهزة الأمنية في بنغازي اعتقلت، خلال فترة التحضير والدعوة للاحتجاج، مجموعة من النشطاء الداعين للتظاهر والشخصيات العامة، كما شنّت السلطات حملة تشويه واسعة النطاق ضد منظمي المظاهرات على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائط الإعلام المختلفة ومن بينها محطات التليفزيون والراديو.

وتضم قائمة المعتقلين المواطن أ. ر  الذي اعتقل في 11 أغسطس من قِبَل مجموعة مسلحة، خلال قيامه ببث مباشر على صفحته على موقع فيسبوك، وكان يردد خلال ذلك شعارات مؤيدة للنظام السابق. وفي 18 أغسطس، قام جهاز الأمن الداخلي في بنغازي باعتقال أبو زيد الجبو القذافي وهو شخصية قبلية بارزة، وفي 20 أغسطس قامت قوة المهام الخاصة الموالية للقيادة العامة للجيش الوطني الليبي باعتقال أربعة مواطنين تعسفيًا بسبب تأييدهم لسيف الإسلام القذافي.

سرت : مواجهات مع الامن واعتداءات على المتظاهرين 

وفي سرت، استطاع المتظاهرين التجمع والتظاهر في 23 أغسطس رافعين المطالب المذكورة أعلاه، وقد تعامل الجهاز الأمني المعروف باسم “جهاز البحث الجنائي” بشراسة مع المتظاهرين السلميين، وأطلقت القوات الرصاص الحي لتفريقهم، واعتقلت نحو 65 متظاهر. وبعد يومين تجددت المظاهرات، ولكن كان المطلب الرئيسي آنذاك هو إطلاق سراح المعتقلين؛ فواصلت قوات جهاز البحث الجنائي استخدام القوة المفرطة واعتقلت نحو 15 آخرين، كما دهست إحدى سياراتها متظاهرًا يدعى ناصر إعويدات القذافي، كما تسبب عنف جهاز البحث الجنائي في إصابة 7 آخرين على الأقل.

وحصل مركز مدافع على إفادات من منظمة حقوقية شريكة في شرق ليبيا قامت بتوثيق بعض حالات الاعتقال والإخفاء القسري في سرت. وأفادت بأنه في 11 أغسطس قام جهاز الأمن الداخلي باعتقال الدكتور س.  القذافي وع. القذافي وع.ص القذافي، وقد تم إطلاق سراح الأول والثاني، فيما يظل مصير الثالث مجهولاً. وفي 25 أغسطس، شهدت سرت حملات قمع للمظاهرات ومداهمة منازل المتظاهرين واعتقالهم، وتم نقل عشرات منهم إلى بنغازي. وتضم قائمة المعتقلين: ن . ز، وق. ع، وأ,ز، و وم. ف، وع. س.، وح.س، وح. إ، وع. ع.، وأ. س، وم. س، وم. ا، وم. ق، وز.ع وط. ط.

علاوة على ذلك، أفاد أحد المدافعين عن حقوق الإنسان بأن مدينة القبة، مسقط رأس عقيلة صالح رئيس البرلمان والواقعة في شرق ليبيا، قد شهدت مظاهرات في 25 أغسطس تحتج على الفساد وتأخر صرف الرواتب وتطالب بتحسين الأحوال المعيشية، ولكن سرعان ما استطاعت قوات الأمن قمعها وتفريق المحتجين.

وقد رفضت السلطات في سرت إطلاق سراح المعتقلين قبل يوم 1 سبتمبر؛ كي تمنعهم من التظاهر احتفالا بذكرى الفاتح من سبتمبر. وكانت السلطات قد قامت في 25 أغسطس بقطع الاتصالات والانترنت في جميع أنحاء المدينة؛ لتمنع المتظاهرين من تنظيم أنفسهم ومن التواصل مع العالم الخارجي. وفي صباح 3 سبتمبر عادت خدمات الاتصالات والانترنت في سرت، فيما لم تطلق السلطات سراح أي من المتظاهرين المعتقلين حتى الآن.

يقول مدافع ليبي عن حقوق الإنسان: “إن منظومة القذافي الأمنية قد بُعثت من جديد، وعادت للعمل بقوة وشراسة في الشرق؛ الأمر الذي يضطر الليبيون هناك إلى التعايش مع الخوف والترهيب الدائمين في ظل إفلات تام من العقاب“. فيما أكد مدافع ليبي آخر: “حتى في غرب ليبيا، تمت الاستفادة من خبرات ورجال منظومة القذافي الاستخباراتية في بناء الأجهزة الأمنية التي تضع في أولوياتها تعقب المدافعين عن حقوق الإنسان والنشطاء السلميين“. وهي مفارقة أخرى تميز المشهد الليبي المعقد؛ فرجال النظام السابق المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان صاروا في مناصب قيادية بالأجهزة الأمنية في “العهد الجديد”. يقدمون خدماتهم للسلطات في الشرق والغرب ويمارسون ما يبرعون فيه وهو قمع الجميع: دعاة الإصلاح والنشطاء السلميين والمدافعين عن حقوق الإنسان، بل وأنصار النظام السابق أنفسهم.

من ثورة واعدة إلى سجل حافل بانتهاكات حقوق الإنسان

إن مركز مدافع يدين بشدة قيام طرفي النزاع الليبيين، بعد أيام من إعلان مبادرة وقف إطلاق النار وفي ظل ترقب نتائجها، بتوجيه الأسلحة إلى صدور المواطنين السلميين وقتل بعضهم واعتقال العشرات تعسفيًا وإخفاء عشرات آخرين قسريًا، بالإضافة إلى إصدار بيانات تحريضية تستلهم مفرداتها من قاموس سلطة ما قبل السابع عشر من فبراير؛ وذلك بدلا من الإنصات لشكاواى المواطنين واتخاذ التدابير اللازمة لتحسين مستوى المعيشة والخدمات والقضاء على الفساد وتعزيز وحماية حقوق الإنسان ومحاسبة الأطراف والجهات المسئولة عن ارتكاب الانتهاكات. ويرى مركز مدافع أن الانتهاكات المرتكبة خلال الأيام السابقة هي بمثابة قمة جبل الجليد؛ وأن الاستخدام غير المتناسب للقوة وعدم الاكتراث بحياة وأمن وسلامة المحتجين السلميين الذي شهدته ليبيا في الشرق والغرب، هو نتيجة متوقعة لفشل كافة الأطراف المحلية والدولية في معالجة ملف انتهاكات حقوق الإنسان منذ عام 2011.

وفي هذا الإطار، يُعرب مركز مدافع عن قلقه العميق إزاء ما آلت إليه الأوضاع في ليبيا التي باتت مسرحًا لحرب أهلية يختفي وراءها لاعبون إقليميون ودوليون ينظرون إلى ليبيا كلعبة جيوسياسية واقتصادية متجاهلين معاناة شعبها وسكانها. فبعد نحو 10 سنوات من اندلاع ثورة واعدة من أجل الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان، صارت ليبيا تملك واحدًا من أسوأ سجلات حقوق الإنسان في المنطقة والعالم، حيث تشهد البلاد إخفاق كافة سلطات الأمر الواقع في الامتثال لالتزاماتهم بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بينما يتمتع مرتكبو الانتهاكات بالحماية وبالإفلات التام من العقاب.

الإخفاء القسري مصير الأصوات المعارضة

قبل أيام احتفلت السلطات الليبية باليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري على طريقتها الخاصة؛ وذلك بإضافة أعداد لا يمكن حصرها من المواطنين إلى قائمة ضحايا الإخفاء القسري، خلال قمعها للمظاهرات السلمية. وتعاني آلاف الأسر الليبية من اختطاف أبنائها على مدى السنوات التي أعقبت ثورة 17 فبراير. ولا يوجد تقدير دقيق لعدد الضحايا الذين يشملون مدافعين عن حقوق الإنسان وصحفيين ونواب بالبرلمان، ولكن بعض التقديرات ترجح أن ضحايا الإخفاء القسري في ليبيا نحو 10 آلاف مختفي، وذلك قبل مظاهرات 23 أغسطس الماضي. جدير بالذكر أن التقرير السنوي الأول لمركز مدافع قام بتوثيق تعرّض المدافعين عن حقوق الإنسان في ليبيا إلى الخطف والإخفاء القسري من بين انتهاكات أخرى. وبسبب التهديدات الخطيرة التي يواجهها المدافعون عن حقوق الإنسان في ليبيا؛ أكد جميع المدافعين الذين تواصلنا معهم للحصول على شهاداتهم، المذكورة أعلاه، بشأن الأحداث الأخيرة، خشيتهم من ذكر أسماءهم لأسباب أمنية.

ويؤكد مركز مدافع أن اختطاف الصحفيين والإعلاميين في ليبيا، مثلما حدث خلال المظاهرات الأخيرة، هو جزء من سياسة منهجية تتبعها السلطات في التعتيم على انتهاكاتها المتواصلة دون محاسبة وإخفاء الحقائق عن المواطنين والعالم،وذلك عبر إخفاء الصحفيين قسريًا. وفي تقرير حديث صدر قبل أيام، وثقت المنظمة الليبية للإعلام المستقل الانتهاكات التي تتم بحق الصحفيين في مختلف أنحاء ليبيا. وإلى جانب الإخفاء القسري، فإنهم يتعرضون أيضًا إلى استخدام التشريعات غير المتوافقة مع المعايير الدولية في حبس الصحفيين في جرائم النشر، كما يتعرضون للاعتقال وسحب التراخيص وأحيانًا للقتل.

وفيما يدين مركز مدافع الانتهاكات المنهجية لحرية الصحافة في كافة أنحاء ليبيا، فإنه في ذات الوقت يدعو كافة المنابر الصحفية والإعلامية، سواء الليبية أو الإقليمية، إلى توخي الدقة والمهنية في تغطيتها الإعلامية لما يدور في ليبيا. حيث يتابع المركز بقلق بالغ تأثير الاستقطاب السياسي الحاد، سواء بين الأطراف الليبية أو الأطراف الإقليمية الداعمة لها، على تغطية العديد من المواقع والمحطات الإخبارية، وهو ما يظهر في الانحياز الفج لأحد طرفي النزاع، حيث يتم التعتيم على انتهاكاته ونشر الأخبار التي تساهم في تحسين صورته أمام الرأي العام، والعكس صحيح.

مسئولية الأطراف المحلية والإقليمية والدولية 

في هذا السياق، يستنكر مركز مدافع ردود فعل المجتمع الدولي التي تراوحت ما بين التعليق المقتضب على الانتهاكات واسعة النطاق التي ارتكبتها السلطات خلال قمعها للمظاهرات، وبين الصمت التام من قِبَل بعض الأطراف، فيما تجاهل البعض ما جرى خلال الأيام الماضية من قمع مفرط للاحتجاجات السلمية، التي لا يبدو أن السلطات نجحت في إخمادها، خلال سعيه لاستئناف الحوار بين طرفي النزاع اللذين لا تتوافر لديهما الإرادة السياسية لإنهاء حالة الاحتراب الأهلي أو لحماية حقوق المواطن الليبي فضلا عن حقوق الآلاف من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء الذين يعانون الأهوال في ليبيا. ويؤكد مركز مدافع أن مستقبل واستقرار ليبيا يحتاج إلى تضافر جميع الجهود للضغط من أجل احترام وحماية حقوق الإنسان، جنبًا إلى جنب مع الضغط من أجل وقف النزاع العسكري وإجراء المصالحة السياسية.

في ضوء ما سبق، يؤكد مركز مدافع أن أزمة الشرعية التي باتت تعاني منها كافة السلطات في الشرق والغرب، لا حل لها سوى الوقف الفوري لإطلاق النار وبدء مفاوضات تشرف عليها الأمم المتحدة مع فرض جدول زمني محدد لإجراء الانتخابات والعمل على إصدار دستور دائم للبلاد وتسريحا لمقاتلين غير الليبيين ونزع سلاح الميليشيات وإدماج أفرادها بالأجهزة الأمنية بعد اجتيازهم برامج للتأهيل، وكل ذلك لن يتحقق إذا لم تتوافر الإرادة السياسية لأطراف النزاع لإنهائه والمضي قدما نحو المصالحة والسلام. علاوة على ذلك، يؤكد مركز مدافع أنه يجب إدماج المجتمع المدني الليبي في التحضير للمفاوضات كشريك، والاستفادة بخبراته ورؤيته وتوصياته في وضع تصور لحل النزاع وبسط السلام ووضع برنامج للعدالة الانتقالية وبناء ليبيا الجديدة.

وإذ يؤكد مركز مدافع أن المسئولية الأساسية بشأن إنهاء النزاع تقع على عاتق الأطراف الليبية في المقام الأول، فإنه لا يُخلي الأطراف الدولية والإقليمية من مسئوليتها. وفي هذا السياق يُذكّر بنتائج وتوصيات مؤتمر برلين الذي عُقد في مستهل العام الجاري، ويدعو لاستئناف تنفيذها. وفي هذا الإطار، يتابع المركز ببالغ القلق تخلي بعض الدول المشاركة في مؤتمر برلين عن تعهداتها بعدم تسليح أطراف النزاع والمساهمة في تحقيق السلام، وبدلا من ذلك تورطت بعض الدول في تسليح بعض أطراف النزاع وإرسال قواتها للإنخراط بشكل مباشر في الحرب، فيما أعلنت دول أخرى عن استعدادها لإرسال قواتها المسلحة إلى ليبيا، بينما تشير بعض التحقيقات الاستقصائية الصادرة عن هيئات إعلامية دولية إلى تورط دول مشاركة في مؤتمر برلين في تسليح أحد طرفي النزاع من وراء الستار. وفي إحاطتها أمام مجلس الأمن في 2 سبتمبر، أشارت رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بالإنابة، ستيفاني وليامز، إلى رصد عشرات رحلات الإمداد لتزويد طرفي النزاع بالأسلحة، وهو ما اعتبرته “انتهاكا مقلقا لسيادة ليبيا، وانتهاكا صارخا لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة، ناهيك عن الالتزامات التي تعهد بها المشاركون في مؤتمر برلين”.

وأخيرًا، يجدد مركز مدافع التذكير بالمطالب التي وجهها قبل أيام مع منظمات منصة ليبيا إلى المجلس الرئاسي ومجلس النواب، ويشدد على ضرورة قيام مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، والإجراءات الخاصة للأمم المتحدة، واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، والاتحاد الأوروبي، بالضغط بشكل عاجل على جميع السلطات الليبية للإفراج عن كل المحتجزين تعسفيًا وإجلاء مصير المختفين قسريًا. كما يؤكد المركز على أهمية أن تشمل التحقيقات التي ستجريها لجنة تقصي الحقائق، التي أنشأها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة خلال الدورة 43، كافة الانتهاكات التي ارتكبتها السلطات الليبية خلال قمعها لمظاهرات أغسطس الماضي وما تلاها. وإذ يدرك ثقل حجم المسئولية الملقاة على عاتق اللجنة، نظرًا لضيق المهلة الممنوحة لها لإنجاز مهمتها في فحص الانتهاكات التي شهدتها ليبيا منذ 2016؛ فإنه يجدد مطالبته الدول أعضاء مجلس حقوق الإنسان بالعمل على تجديد ولاية اللجنة وتوفير كافة الدعم المادي والفني اللازم لها.

إن المواطنين الليبيين الذين تحملوا عقودًا طويلة من الاستبداد وقمع حقوق الإنسان، قبل أن يثوروا في 17 فبراير 2011 طلبا للحرية والعدالة والديمقراطية، لم يتوقعوا أنه بعد مرور كل تلك السنوات ستعاني ليبيا من الانقسام السياسي والنزاع العسكري المحلي والإقليمي، وأن سجلها الحقوقي سيحمل هذا العبء الثقيل من الانتهاكات والمظالم، بدلا من الدولة التي تخيلوا أنهم قادرين على بناءها فور انهيار نظام الحكم السابق. ويؤكد مركز مدافع أنه لا تزال الفرصة سانحة لمعالجة الوضع في ليبيا وتحقيق آمال الليبيين؛ بشرط تحمّل كافة الأطراف لمسئولياتها من أجل تحقيق السلام وحماية حقوق الإنسان والمحاسبة وإنهاء الإفلات من العقاب، وذلك قبل أن يفوت الأوان.

باريس، 09 سبتمبر 2020

0 ردود

اترك رداً

تريد المشاركة في هذا النقاش
شارك إن أردت
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *