Defender Center for Human Rights

الأجندة الاقتصادية للعنف ودورها في استمرار الصراعات والحروب الأهلية: دراسة للحالة الليبية

6 يوليوز 2021

د. فتحي علي – عضو هيئة التدريس في كلية الاقتصاد بجامعة بنغازي

مخلص

باستخدام منهج الاقتصاد السياسي للحروب الأهلية، قدمت هذه الورقة تحليلا للصراع الدائر في ليبيا منذ سنوات، وأوضحت أن تبني أجندة اقتصادية للعنف في ليبيا من قبل التشكيلات المسلحة والأطراف المنخرطة فيه أدى إلى نشوء ديناميكيات كان من شأنها إطالة أمد الصراع واستدامته في البلاد. إن إغفال الأجندة الاقتصادية للعنف في ليبيا عند تصميم مبادرات وجهود إنهاء الصراع وتحقيق المصالحة الوطنية وإرساء دعائم السلام من شأنه تقويض هذه الجهود وإفشالها. وإن أي مبادرة جادة لإنهاء الصراع في ليبيا يجب أن تتضمن – من جملة ما تتضمنه- تدابير من شأنها التصدي للأجندة الاقتصادية للعنف، بحيث ترتفع تكلفة اللجوء إلى العنف واستخدامه أو التلويح به، وتنخفض المكاسب والعوائد المادية المترتبة على استخدامه.

الكلمات المفتاحية: الاقتصاد السياسي للصراعات والحروب الأهلية، الوظائف الاقتصادية للعنف، الحرب الأهلية الليبية، اقتصاديات الحرب.

1.   مقدمة

شهدت ليبيا في السابع عشر من فبراير من العام 2011 انطلاق احتجاجات ومظاهرات سلمية تدعو إلى تغيير نظام القذافي، ولكن سرعان ما تحولت هذه الاحتجاجات إلى صراع مسلح بين الليبيين ودخلت ليبيا في أتون صراعات أهلية دامية، ما إن تهدأ إلا لتثور من جديد، ولم تفلح جهود المصالحة الوطنية التي بذلتها أطراف ومنظمات دولية وإقليمية وحتى محلية خلال الأعوام الماضية في إرساء دعائم سلام دائم في البلاد. وبالرغم من سمو وجاذبية فكرة ومفهوم المصالحة والسلام، وقبح ووحشية الحرب وعدم إنسانيتها وما تجره من خراب ودمار وضياع للأرواح والموارد، فإن التاريخ الإنساني مليء بتجارب الشعوب التي اختارت طريق الحروب بدلًا من المصالحة للتعاطي مع اختلافاتها الداخلية وتعارض مصالحها الفئوية. إن التحليل العميق لأسباب الحروب يمكننا من فهم أسباب لجوء بعض الأطراف إلى سبيل الحرب والدمار لتحقيق أهدافها، ويمكننا أيضا من فهم الدوافع والمحفزات والظروف التي تقود هذه الأطراف لتبني الصراع أداةً لتحقيق مصالحها. التحليل العميق لأسباب الحروب الأهلية يسهم أيضا في توجيه جهود المصالحة واقتراح السياسات والمبادرات لإيقاف الحرب متى اندلعت أو حتى منع فرص نشوبها في حال ظهرت بوادر اندلاعها.

أدت زيادة معدلات وقوع الحروب الأهلية منذ نهاية الحرب الباردة إلى زيادة كبيرة في الأدبيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي حاولت فهم أسباب نشوء الحروب الأهلية وسلوك ودوافع الأطراف المنخرطة فيها، وقد شهدت هذه الأدبيات زيادة مطردة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي[1].

بعض هذه الدارسات ركز على المحددات والعوامل المرتبطة بالجانب الاقتصادي والمالي. وتجادل هذه الدراسات بأنه لفهم طبيعة الحرب الأهلية ينبغي فهم الجوانب الاقتصادية للحرب أو ما يعرف بالأجندة الاقتصادية للحرب الأهلية. وتميل الأطراف المتصارعة في الحروب الأهلية عادة لرفع شعارات تبرر اللجوء للعنف والحرب على أساس أن بعض الحروب يمكن أن تكون عادلة ومبررة، ولكن غالبا ما تخفي هذه الشعارات والمبررات أسبابًا اقتصادية؛ ولذلك فإن إغفال التفاعل المحتمل بين الأجندة السياسية للحرب وأجندتها الاقتصادية يمكن أن يؤدي إلى فهم منقوص لدوافع الحرب وأسبابها؛ مما يؤدي إلى فشل جهود المصالحة وتحقيق السلام.

تهدف هذه الورقة إلى استقصاء شواهد الأجندة الاقتصادية للأطراف المتصارعة في ليبيا وتقصي الدور المحتمل لهذه الأجندة في إطالة أمد الصراع الليبي.

2.   الاقتصاد السياسي للصراعات والحروب الأهلية

أظهر الاقتصاديون في نهاية تسعينيات القرن الماضي وبداية القرن الحادي والعشرين اهتمامًا بفهم دوافع وأسباب الحروب والصراعات الأهلية، وأنتج هذا الاهتمام أدبيات اقتصادية تُعرف الآن بالاقتصاد السياسي للحروب الأهلية. وشكلت كتابات وأفكار(Paul Collier)  الأساس الذي انطلقت منه معظم الدراسات في هذه الأدبيات. أفكار Paul Collier أصبحت تُعرف بفرضية “المطامع والمظالم” في الحروب الأهلية[2].

تجادل هذه الفرضية بأنه حتى عندما تكون الأسباب والأهداف السياسية والعسكرية واضحة وتقدم فهمًا منطقيًا للصراع، فإن الصراعات في العمق متأثرة بالدوافع والفرص الاقتصادية التي تعرضها الحروب الأهلية، بل إن الاعتبارات والأجندات الاقتصادية قد تحدث تحولًا في هدف الحرب نفسها من الهدف التقليدي (كسب الحرب وهزيمة العدو) إلى هدف آخر هو المحافظة على استمرار الحرب في حد ذاتها، حيث تصبح الحرب مشروعًا اقتصاديًا يعود بالنفع على من يشعلونها. ذلك أن الحروب الأهلية ليست ظاهرة جامدة ساكنة، بل إنها ظاهرة متحولة باستمرار وتزداد فيها أهمية الأهداف القريبة والمباشرة مع مرور الزمن، حيث تصبح هذه الأهداف عاملًا يدفع باتجاه استمرار الحرب وإطالة أمدها، وتنشأ مع استمرارها مصالح راسخة تدفع باتجاه عدم توقفها، كما أنها تخلق مظالم جديدة وحرمانًا إضافيًّا تسهم جميعها في خلق وتغذية الدوافع الاقتصادية للعنف.

إن الاقتصاد السياسي للحروب الأهلية يهتم بهذه الشبكة المعقدة من الدوافع والتفاعلات، ويجب ألا يُفهم أن الاقتصاد السياسي للحروب الأهلية يدعي تقديم تفسير شامل للحروب الأهلية أو أنه يدعي أن الدوافع الاقتصادية وحدها قادرة على شرح الحروب الأهلية، وإنما يضيف الاقتصاد السياسي الدوافع الاقتصادية إلى جملة دوافع وأسباب الحروب الأهلية التي تطرحها العلوم الأخرى[3].

 يركز الاقتصاد السياسي على تحديد الوظائف الاقتصادية للعنف في البلدان الضعيفة اقتصاديًا والمتشظية سياسيًا، حيث يرى Paul Collier أن الأهداف الاقتصادية تقع في صميم فهم أسباب نشوء واستمرار الحروب الأهلية، فعلى سبيل المثال لاحظ William Rene أن الحروب الأهلية في وسط إفريقيا تمثل أفضل تجسيد للدوافع الاقتصادية للحرب[4]، حيث إن الحروب في وسط إفريقيا تمثل مشروعًا مربحًا وطريقة لتحقيق التراكم المادي والثراء للمنخرطين فيها. ويعد Charles Taylor من أكثر الأمثلة المشيرة لذلك، حيث حقق مكاسب قُدرت بنحو 400 مليون دولار أمريكي سنويا من الحرب الأهلية في ليبيريا في السنوات ما بين 1992 و1996.[5] وفي أنجولا سيطر الاتحاد الوطني للاستقلال التام UNITA على نحو 70٪ من إنتاج البلاد من الماس؛ مما سمح للاتحاد بمواصلة الحرب وخلق ظروف سمحت للتجار المحليين والوسطاء والقادة العسكريين الجهويين بتحقيق ثروات هائلة، ومن جانب الحكومة الأنجولية استطاعت الحركة الشعبية لتحرير أنجولا MPLA أن تفيد أيضا من الحرب الأهلية من خلال منح رخص تفضيلية للاستيراد والحصول على الصرف الأجنبي وبيع الأسلحة لمقاتلي UNITA. إن هذا التعاون والتعامل بين الأطراف المتحاربة في أنجولا ليس استثناء ولا يمثل حالة فريدة في الحروب الأهلية، حيث انخرط العديد من القادة العسكريين من الخمير الحمر وموظفي الحكومة الكمبودية وضباط من الجيش التايلندي في تعاون مشترك من أجل تحقيق ثروات لأنفسهم من خلال الأنشطة غير القانونية لقطع الأشجار وتجارة الأحجار الكريمة بالرغم من أنهم أطراف متصارعة في الفترة من 1993 إلى 1997. إن هذا النمط من التعاون جعلهم غير مهتمين بإنهاء الحرب في كمبوديا؛ إذ كان استمرارها يضمن لهم تحقيق الثروات.

الاقتصاد السياسي للحروب الأهلية لا يعتمد فقط على الأدلة السردية Anecdotal Evidence كالمذكورة أعلاه، وإنما يقدم أدلة مقبولة إحصائيا على وجود ارتباط موجب بين وفرة الموارد الطبيعية، خاصة المعدنية منها، والحروب الأهلية.[6] هذه الأدلة تدعم حجة الاقتصاد السياسي للحروب الأهلية التي ترى أن فهم أسباب ومصادر العنف يتطلب فهم المنطق الاقتصادي الداعم للحرب.

2.2 فرضية المظالم والعنف السياسي

تدعي فرضية المظالم أن المستويات العالية من عدم المساواة وضياع وفقدان الحقوق السياسية والانقسامات الإثنية والدينية تخلق جميعها حالة من الشعور بالظلم في المجتمع؛ مما يؤدي إلى نشوء العنف المسلح والتمرد، أي أن هذه الفرضية ترى الصراعات والحروب الأهلية رد فعل على عدم العدالة والظلم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، و تعدّ أفكار Gurr  Tedحول الحرمان النسبي (Relative Deprivation Theory) الأساس الذي تنطلق منه فرضية المظالم[7].

يعرِّف Gurr الحرمان النسبي بأنه الفرق بين ما يطمح إليه الأفراد من أهداف اقتصادية وسياسية ويعتقدون أنه حقٌ لهم حسب إمكانياتهم وما يحققونه بالفعل، وعندما يكون المتحقق أقل بكثير من الطموح تنشأ حالة من الإحباط والشعور بالسخط، وهذا بدوره يدفع إلى زيادة الميل إلى العنف. فرضية المظالم بهذا المعنى تستند إلى تفسير سيكولوجي لميل الأفراد إلى العنف، وعندما يشعر قسم من المجتمع بأن طموحاته وما يعدونه حقًّا لهم أقل مما يحصلون عليه ويحققونه فعلًا في المجال السياسي والاقتصادي وعندما تغيب الوسائل السليمة والديموقراطية التي يستطيع بها هذا القسم التعبير عن الظلم الذي يشعر به ويطالب ويعمل على رفعه، فإنه يلجأ إلى تبني العنف المسلح والتمرد على السلطة الحاكمة وبهذا تنشأ الحرب الأهلية.

 2.2 فرضية الطمع (الجشع)

تنطلق فرضية الطمع من تحليل الاقتصاد الجزئي لسلوك الأفراد، حيث ترى هذه الفرضية أن الاتجاه إلى العنف أو عدمه يعتمدان على الحساب العقلاني للمكاسب والتكاليف المرتبطة بقرار تبني العنف والتمرد المسلح، ولا يعتمدان على الاستجابة العاطفية وغير المحسوبة (غير العقلانية) للظلم. حيث يرى Collier أن فرضية المظالم غير مهمة في شرح وتفسير نشوء الحروب الأهلية والصراعات؛ وذلك لأن المظالم شائعة في الكثير من البلدان التي لم تشهد أي حروب أو صراعات أهلية[8]، ويجادل بأن المظالم تستخدم فقط كحجة أيديولوجية من قبل قادة التمرد الجشعين الذين لا تؤثر فيهم الأفكار السياسية بقدر ما تؤثر فيهم الحسابات الدقيقة للربح والخسارة المادية الناجمة عن تبني العنف واستخدام السلاح، أي أنه حسب فرضيات الاقتصاد الجزئي، فإن الحرب الأهلية سوف تنشأ فقط عندما تكون الفرصة البديلة للقتال منخفضة بسبب الفقر مثلا وتكون المكاسب من القتال وعمليات النهب المترافقة معه تضمن تحقيق الثراء الفردي للمنخرطين فيه وتؤمن التمويل الضروري لاستمرار الأنشطة القتالية للمتمردين، أي أن التمرد والعنف السياسي بهذا المعنى صناعة تنتج ربحًا من خلال عمليات النهب، مثلها في ذلك مثل عمل العصابات الإجرامية والقراصنة[9]. باختصار ترى هذه الفرضية أن العنف والحروب الأهلية تُفهَم من خلال الظروف التي توفر فرصًا لتحقيق المكاسب المادية والأرباح وليست مدفوعة بالشعور بالظلم.

2.3 فرضية التعبئة

يشير مفهوم التعبئة في إطار هذه الفرضية إلى درجة تنظيم والتزام جماعة معينة بالعمل الجمعي لتحقيق مصالحها، كما يشير إلى قدرة الجماعة على توفير وحشد الموارد الضرورية لاستمرارية العمل الجمعي. وحسب فرضية التعبئة يتحدد الحراك الاجتماعي إجمالا والعمل الجمعي بالحساب والموازنة العقلانية بين التكاليف والحوافز، أي أن الحراك الاجتماعي يتحدد من خلال مبدأ (المخاطرة المحسوبة). ويعد العنف السياسي والتمرد نوعين من أنواع العمل الجمعي. وتري فرضية التعبئة أن الظلم وحده ليس كافيًا لنشوء العنف السياسي، بل إن ظهور العنف السياسي على نطاق واسع يعتمد على قدرة الجماعة على تعبئة نفسها للانخراط في العنف السياسي. وتعتمد قدرة الجماعة على التعبئة على الفرص والحوافز والتكاليف التي تفرضها البيئة المحيطة بالجماعة. ويرى Tilly [10] أن العنف السياسي ينشأ عندما توفر البيئة السياسية الفرص والحوافز للمشاركة في العنف السياسي، حيث ينخرط الأفراد في العنف السياسي متى أدركوا أن الوضع القائم أسوء من الوضع الذي سوف يسود إن هم حملوا السلاح. وترى فرضية التعبئة أن وجود الظلم لا يضمن بشكل تلقائي تحقق التعبئة لمواجهة هذا الظلم، وإنما تتحقق التعبئة بعد الحساب العقلاني لاحتمالات الفوز وعواقب الفشل للعنف السياسي.

3. الوظائف الاقتصادية للعنف

إن حضور الدوافع الاقتصادية والأجندات التجارية في الحروب بشكل عام ليس بظاهرة جديدة، فقد كانت هذه الدوافع والأجندات حاضرة دائما في تحليل ودراسة ظاهرة الحرب، حيث وصفت الحرب من قبل بعض المؤرخين بأنها مشروع خاص لتحقيق الأرباح[11]. أما في إطار الدراسات التحليلية للحروب والصراعات الأهلية فقد تأخر كثيرا الاهتمام بالجوانب الاقتصادية.[12] فقد كانت الكثير من الدراسات تركز على النزعات البدائية للعنف وظهور الأحقاد التاريخية الدفينة والعداوات بين القبائل والأقليات العرقية والدينية المختلفة بوصفها أسبابًا للحروب الأهلية، وتبعا لذلك وصفت الحروب الأهلية بأنها حروب لاعقلانية تتعدد فيها الأطراف المتصارعة وتتكاثر فيها المليشيات غير المنضبطة بتسلسل واضح للأوامر وآليات التوجيه ويتعرض فيها المدنيون لشتى أنواع العنف بدون استثناء[13].

إن هذا الفهم للحرب الأهلية يقود إلى اعتقاد مضلل أن الحرب الأهلية وما يصحبها من عنف ودمار تعد كارثة على جميع الأطراف المنخرطة فيها، ومن ثم فإن من مصلحة الجميع العمل على إنهائها أو تجنب وقوعها بالأساس، غير أن الواقع يشير إلى تواتر وقوع الحروب الأهلية واستمرارها لسنوات طويلة، فكيف يمكن تفسير ذلك.

يرى David Keen أن تفسير هذه المعضلة يكمن في البحث في الوظيفة التي يحققها استخدام العنف للأطراف المنخرطة في الحرب الأهلية، ويميز Keen بين نوعين من العنف في الحروب الأهلية:

  • النوع الأول هو العنف الذي يقصد منه تغيير مجموعة القوانين والإجراءات الإدارية السائدة في المجتمع أو ما يعرف إجمالا بقواعد اللعبة Rules of the Game، ويتميز هذا النوع من العنف بأنه يسعى إلى إحداث تغيير على الصعيد الوطني من خلال تغيير النظام القائم، وباختصار يمكن القول بأن النوع الأول من العنف يخدم أغراض ذات طبيعة سياسية بالأساس؛ ولذلك يوصف بأنه عنف سياسي. ويدخل ضمن هذا النوع الصراعات الثورية الساعية لتغيير نظام الحكم وكذلك الصراعات الانفصالية الساعية لانفصال إقليم ما عن البلد الأم.
  • النوع الثاني من العنف يقصد منه التحايل على القوانين والإجراءات وتجاوزها بدون الخوض في عملية تغييرها على المستوى الوطني، أي أن هذا النوع من العنف معني بإحداث تغييرات ذات طبيعة محلية ومباشرة متعلقة بأهداف ذات طبيعة اقتصادية وأمنية ونفسية. ففي الجانب الاقتصادي يمكن أن يحقق استخدام العنف أو التلويح باستخدامه أرباح ومنافع اقتصادية للأطراف المنخرطة في الصراع، وتعد أعمال النهب والتهريب والخطف والابتزاز من أجلى صور العنف الاقتصادي.

في الجانب الأمني، يوفر الانضمام إلى مجموعة مسلحة الشعور بالأمن والحماية لأفراد هذه المجموعة، خاصة إذا كان هناك انتشار لأعمال العنف الموجهة ضد المدنيين، أما في الجانب النفسي، فإن استخدام العنف يوفر فرصة للقيام بأعمال الثأر والانتقام من ممارسات الهيمنة والإذلال التي كانت سائدة قبل مرحلة الصراع في المجتمع، كما أن الانضمام لمجموعة مسلحة والانخراط في العنف يمنح شعورًا بالزهو والمغامرة والتشويق ويرضي الشعور بالرغبة في الانتماء لجماعة. ويرى Keen أن خليطا من الخوف والحاجة والطمع هو ما يدفع الأفراد في الغالب للانخراط في النوع الثاني من العنف.

 ويجادل Keen بأن الحروب الأهلية ليست ظاهرة ساكنة، وإنما هي متحولة عبر الزمن، فكثير من الحروب الأهلية تبدأ بهدف السيطرة على الدولة وتغيير نظام الحكم أو للانفصال عنها (عنف سياسي) ولكنها تتحول بسرعة إلى حرب ذات أجندة محلية مباشرة، وتعدّ الأجندة الاقتصادية في مقدمة الأجندات المترافقة مع هذا التحول. وينشأ عن هذا التحول في أجندة الحرب تغيير في هدف الحرب نفسها من الهدف التقليدي لأي حرب وهو هزيمة الخصم وإخضاعه أو القضاء عليه إلى هدف ضمان استمرار الحرب نفسها، وذلك من أجل ضمان استمرار المكاسب والمنافع المادية والاقتصادية الناتجة عن استخدام العنف، حيث يصبح العنف نشاطًا اقتصاديًا يعود بالربح على المنخرطين فيه. وتوفر الحربُ الشرعيةَ اللازمةَ لاستخدام العنف والتلويح به[14].

4.الأجندة الاقتصادية في الصراع الليبي

شهدت ليبيا في فبراير من عام 2011 انتفاضة شعبية تطالب بالحرية والعدالة والديموقراطية ضد نظام القذافي الشمولي، وسرعان ما تحولت هذه الانتفاضة إلى صراع مسلح قاد البلاد إلى حرب أهلية، نتج عنها الكثير من التحولات من بينها انهيار مؤسسات الدولة المختلفة وحدوث فراغ أمني كبير نتيجة لغياب قطاع أمني فعال. وبالرغم من إنجاز أول انتخابات تشريعية في عام 2012 وتشكيل حكومة منتخبة كان من المفترض أن تنجز مصالحة وطنية شاملة وتضع أسس الدولة الحديثة في ليبيا وتصوغ دستورًا دائمًا للبلاد – فإنه سرعان ما عاد الصراع من جديد في النصف الثاني من العام 2014 وأدى انتخاب برلمان جديد في نفس العام إلى حدوث انقسام في السلطة التنفيذية والتشريعية، ولم يفلح اتفاق السخيرات المغربية الموقع في نهاية العام 2015 بين الفرقاء الليبيين برعاية دولية وإقليمية في إنهاء الانقسام السياسي في البلاد، واستمرت الصراعات خلال الأعوام من 2015 إلى 2018 وإن كانت منخفضة الكثافة إلى أن تفجر صراع كبير في إبريل عام 2019، وتم التوصل أخيرا في أكتوبر من العام 2020 إلى قرار وقف لإطلاق النار؛ مما مهد الطريق لبداية مفاوضات بين الأطراف المتصارعة في تونس ثم جنيف توّجت بإعلان حكومة وحدة وطنية نالت ثقة البرلمان في مارس 2021، وبذلك انتهى الانقسام السياسي في البلاد الذي بدأ في العام 2014. وبالرغم من توحيد السلطة التنفيذية، فإن هناك العديد من المؤسسات المهمة لم تتوحد بعد في مقدمتها مؤسسات القطاع الأمني وخاصة الجيش، وما زالت الحكومة عاجزة عن بسط سيطرتها على كافة أرجاء البلاد، ولم تنجز الحد الأدنى من المصالحة الوطنية التي تسمح بعودة المهجرين والنازحين؛ وهذا الأمر يهدد العملية السياسية والسلام الهش الذي تم التوصل إليه من خلال اتفاق جنيف.

4.1 التغير في القطاع الأمني في الفترة ما بعد العام 2011

يتتبع هذا الجزء التطورات التي لحقت بالقطاع الأمني الليبي وبشكل خاص في الجيش والشرطة التي حدثت بعد العام 2011، وتشير الدراسات التي اهتمت بتطورات القطاع الأمني في ليبيا[15] إلى أن التهجين والانقسام يعدان من بين أهم التطورات التي لحقت بالقطاع الأمني الليبي بعد عام 2011، وبالإضافة إليهما، يمكن الإشارة إلى التشظي أحد أهم التطورات التي لحقت بالقطاع الأمني الليبي خاصة بعد حدوث الانقسام السياسي في العام 2014.

التهجين

المقصود بالتهجين هو انضمام مدنيين إلى وحدات القطاع الأمني (الجيش والشرطة) وغيرهما من الأجهزة الأمنية أو إنشاء وحدات مكونة من مدنيين وضمها بشكل رسمي لوحدات القطاع الأمني. ويمكن القول أن عملية التهجين بدأت مع بداية الصراع المسلح في العام 2011، وبالرغم من أن معظم المصادر والدارسات التي تتبعت التطور في القطاع الأمني الليبي ركزت على التطورات التي حدثت في جانب معسكر الثورة، حيث حمل الكثير من المدنيين السلاح مبكرا لمواجهة قوات معسكر نظام القذافي، فإن المتتبع لأحداث الصراع الأول في عام 2011 يستطيع أن يلاحظ أن عملية التهجين حدثت أيضا في معسكر قوات القذافي، فمقدمة القوات التي أرسلها القذافي لإخضاع الشرق في شهر مارس 2011 كانت بقيادة شخصية مدنية ولم تكن عسكرية محترفة والقوة التي قادها والمسماة “تشكيل نسور الفاتح” كانت مشكلة بالأساس من المتطوعين من أبناء بعض القبائل الموالية لنظام القذافي.

ويعد إنشاء اللجنة الأمنية العليا في عام 2011 وقوات الدروع في عام 2012 من أجلى مظاهر عملية التهجين حيث تم ضم الكثير من المدنيين، بعضهم لم يشارك في القتال ضد قوات نظام القذافي، إلى جهاز الشرطة من خلال إنشاء اللجنة الأمنية العليا وإلى الجيش من خلال إنشاء سلسلة تشكيلات مسلحة تعرف باسم الدروع، كما تم إنشاء وحدات أخرى لاستيعاب المدنيين من قبيل جهاز الأمن الوقائي وحرس الحدود وأمن المرافق الحيوية.

وجدير بالملاحظة أن الصراعات اللاحقة في عام 2014 و2019 شهدت أيضا عمليات تهجين إضافية حيث ظهرت مسميات من قبيل شباب المناطق والقوى المساندة بالإضافة إلى الثوار لتصف تشكيلات مسلحة تم ضمها إلى القطاع الأمني وخاصة الجيش، وقد انخرطت جميع الأطراف المتصارعة في ليبيا في عمليات التهجين وإضافة المدنيين إلى وحداتها المقاتلة، وقد يرجع ذلك إلى عجز وعدم كفاية الوحدات النظامية وربما حتى عزوفها عن المشاركة بفاعلية في الصراع.

 الانقسام

ظهر الانقسام في القطاع الأمني الليبي بشكل سافر في نهاية العام 2014 عندما ظهرت قيادتان عسكريتان تستمد كل منهما شرعيتها من نظام سياسي (سلطة تنفيذية وسلطة تشريعية) مختلفة، ففي الشرق ظهرت القيادة العامة للجيش الليبي وما يتبعها من وحدات وتشكيلات عسكرية وأمنية وأصبحت تتبع سلطة البرلمان والحكومة المؤقتة، أما في غرب ليبيا، فقد اتحدت التشكيلات العسكرية في تحالف فجر ليبيا الذي استند إلى شرعية المؤتمر الوطني العام وحكومة الإنقاذ، واستمر هذا الانقسام حتى بعد اتفاق السخيرات الذي أنتج حكومة الوفاق الوطني في نهاية العام 2015، والجدير بالملاحظة أن الانقسام في القطاع الأمني سبق في كلتا الحالتين الانقسام السياسي وربما كانت هذه الانقسامات العسكرية أحد العوامل الأساسية الدافعة إلى الانقسام السياسي أو على الأقل يمكن القول أنها وفرت الحيز الجغرافي والمكاني الذي ساعد هذه السلطات والكيانات السياسية لمباشرة أعمالها، فالقيادة العامة وعملية الكرامة ظهرت في الشرق قبل تولي البرلمان مهامه بشكل رسمي وتشكيله للحكومة المؤقتة، وكذا في غرب ليبيا ظهر تحالف فجر ليبيا وعملية قسورة قبل رفض المؤتمر الوطني العام نقل السلطة للبرلمان الجديد وتشكيل حكومة الإنقاذ.

وبالرغم من تركيز معظم الدراسات المهتمة بالصراع الليبي على الانقسام الذي حدث في عام 2014، فإن إنعام النظر في تسلسل الأحداث يوضح أن البذرة الأولى للانقسام السياسي والأمني وضعت في العام 2011، حيث انقسمت القطاع الأمني إلى طرفين الأول المناصر لنظام القذافي والذي كان قوامه الكتائب الأمنية بالإضافة إلى وحدات الأمن الداخلي والشرطة في مناطق غرب البلاد، أما في شرق البلاد، فقد ساندت بعض وحدات الجيش التقليدية مثل الصاعقة في بنغازي ووحدات السلاح الجوي مثل قاعدة بنينا انتفاضة الشعب.

– التشظي

بالإضافة إلى الانقسام في القطاع الأمني الليبي إلى قطاعين متحاربين، فإنه داخل كل قطاع هناك المزيد من الانقسامات والتشققات والتباينات تجعل من الصعب افتراض أن قيادة كل قسم لها سيطرة وتحكم كامل على التشكيلات المنضوية تحت معسكرها، بل إنه قد تنشأ منافسات داخل كل قسم تفضي إلى قدر من الصراع، وإن كان منخفض الكثافة. ففي عام 2011 كان المعسكر المناصر للانتفاضة غير متجانس ولا توجد لديه قيادة موحدة بالمعنى الحقيقي، ففي الشرق كان المعسكر منقسمًا إلى وحدات ذات توجه إسلامي وجهادي ووحدات ذات توجه مناطقي وقبائلي مثل قوات مصراته، الزنتان، التبو…إلخ. وبالمثل في عام 2014 كان هناك تباين واضح في معسكر فجر ليبيا بين تشكيلات مصراته وتشكيلات طرابلس، كما أن معسكر الكرامة انطوى أيضا على قدر من التباينات الواضحة بين قوات القيادة العامة في الشرق وقوات حرس المنشآت النفطية في منطقة الهلال النفطي وقوات الزنتان، بالرغم من أنهم جميعا كانوا في حالة صراع مع تحالف فجر ليبيا.

ولقد كان من مظاهر هذا التشظي نشوء بعض الصراعات والمناوشات بين الوحدات المختلفة ضمن المعسكر الواحد، ويمكن إرجاع أسباب هذا التشظي وما يتعبه من صراعات ومناوشات فرعية إلى عدم قدرة كل معسكر على تطوير نظم للسيطرة والتحكم في الوحدات المنضوية، وكذلك بسبب التنافس على فرص النفوذ والمكاسب المادية المتوافرة في إطار المناطق التي يسيطر عليها كل معسكر.

4.2 أنماط المكاسب الاقتصادية التي تحققها التشكيلات المسلحة من استمرار الصراع في ليبيا

يتتبع هذا الجزء الأنماط والأساليب التي استخدمتها الأطراف المتصارعة في ليبيا وتشكيلاتها المسلحة للحصول على التمويل اللازم لاستمرار وجودها وأنشطتها ولتحقيق مكاسب مادية لقيادات وأفراد هذه التشكيلات. ويمكن التمييز بين نمطين لتحقيق المكاسب اعتمدت عليهما هذه التشكيلات: الحصول على التمويل الحكومي المباشر من خلال الميزانية العامة للدولة وهو ما يمكن أن نطلق عليه التمويل الرسمي، والتمويل غير الرسمي وهو ما تحصل عليه التشكيلات المسلحة من موارد مالية من خلال الانخراط في أنشطة غير قانونية وإجرامية.

4.2.1 التمويل الرسمي عبر الميزانية الحكومية

تعدّ الميزانية العامة بأبوابها الثلاثة المصدر الرسمي الأساسي الذي تتدفق من خلاله الموارد المالية للقطاع الأمني، حيث يشتمل الباب الأول من الميزانية على المرتبات وما في حكمها من مكافآت وحوافز مالية، بالإضافة إلى مخصصات الإعاشة والقيافة (الملابس الرسمية)، أما الباب الثاني، فهو يتضمن المصروفات العمومية من قبيل الكهرباء والوقود والقرطاسية والذخائر والمعدات الخفيفة وما في حكمها، أما الباب الثالث، فهو يتضمن المصروفات الرأسمالية مثل الإنفاق على بناء المقرات والمعسكرات وشراء المعدات الثقيلة والأجهزة والسيارات والمركبات المدرعة وما في حكمها.

يعرض الجدول رقم (1) إجمالي التدفقات المالية للقطاع الأمني بشقيه (وزارة الداخلية ووزارة الدفاع) خلال السنوات من سنة 2010 إلى سنة 2018 وهي آخر سنة تتوافر فيها بيانات منشورة عن الإنفاق العام في ليبيا. كما يعرض الجدول الإيرادات العامة النفطية وغير النفطية بالإضافة إلى إجمالي النفقات الحكومية حسب أبواب الميزانية.

ومن الجدول يتضح أنه بعد سنة واحدة من الصراع عادت حصيلة الإيرادات العامة إلى مستوياتها السابقة للصراع، حيث قفز إجمالي الإيرادات العامة من نحو 16.5 مليار دينار في العام 2011 إلى 70.1 مليار دينار في العام 2012، أي بنسبة زيادة قدرها 300٪ مقارنة بالعام 2011 وبنسبة 18٪ بالمقارنة مع العام 2010. ويرجع ذلك إلى النجاح في رفع مستويات إنتاج النفط إلى ما كانت عليه قبل الصراع، وأدى هذا الارتفاع الكبير في الإيرادات العامة إلى زيادة في الإنفاق العام، حيث زادت النفقات العامة من نحو 49.1 مليار في العام 2012 إلى 65.6 مليار في العام 2013، أي بزيادة نسبية قدرها 33.5٪، وبالمثل زاد الإنفاق على القطاع الأمني من 8.1 مليار دينار في العام 2012 إلى 9.9 مليار دينار في العام 2013، أي بزيادة نسبية قدرها 21.1٪ ، وتجدر الملاحظة هنا أن الزيادة النسبية في الإنفاق على القطاع الأمني كانت أقل من الزيادة النسبية في إجمالي الإنفاق العام، وهذا يعني أن هناك قطاعات أخرى نما فيها معدل الإنفاق بشكل أسرع من نمو الإنفاق على القطاع الأمني بشكل عام، غير أن الزيادة في الإنفاق على القطاع الأمني تظهر بشكل جلي عندما نقارن مستويات الإنفاق قبل بداية الصراع في عام 2011، وللأسف لا تتوافر بيانات عن الإنفاق على وزارة الدفاع للعام 2010 ولكن قانون الميزانية العامة رقم (2) الصادر عن مؤتمر الشعب العام في سنة 2010 يوضح حجم مخصصات وزارة الداخلية (اللجنة الشعبية للأمن العام) التي بلغت 1.9 مليار دينار في حين بلغت نفقات وزارة الداخلية في سنة 2012، 2.8 مليار دينار، أي بزيادة بنسبة 47٪ ، وهذا يؤشر إلى حجم الإنفاق الكبير الذي حصلت عليه وزارة الداخلية بعد الصراع بالمقارنة بفترة ما قبل الصراع.

جدول 1 الإيرادات والنفقات العامة (القيمة بملايين الدينارات)

الإيرادات 2010 2011 2012 2013 2014 2015 2016 2017 2018
الإيرادات النفطية 55,713 15,846 66,932 51,776 19,977 10,598 6,666 19,209 33,476
الإيرادات السيادية 3,409 698 3,199 2,988 1,567 1,288 1,923 2,789 2,436
النفقات العامة 2010 2011 2012 2013 2014 2015 2016 2017 2018
الباب الأول 16,560 25,150 23,632 20,307 19,531 20,289 23,667
الباب الثاني 13,183 15,206 3,260 3,626 2,857 4,488 6,286
الباب الثالث 4,799 12,626 4,645 3,862 1,501 1,911 3,734
الباب الرابع 11,423 10,426 12,730 8,220 5,800 5,970 6,470
خارج الميزانية/طوارئ 3,148 2,153 786 900
الإجمالي 49,113 65,561 44,267 36,015 30,475 32,658 41,057
وزارة الداخلية 2010 2011 2012 2013 2014 2015 2016 2017 2018
الباب الأول 1,436 1,427 2,116 3,914 1,129 869 1,083 1,189
الباب الثاني 241 110 127 154 9 3 15 25
الباب الثالث 250 781 36 50
خارج الميزانية/طوارئ 1,292 26 31 60
الإجمالي 1,927 0 2,829 3,050 4,104 1,138 872 1,129 1,324
وزارة الدفاع 2010 2011 2012 2013 2014 2015 2016 2017 2018
الباب الأول 2,475 3,533 3,674 3,162 1,639 2,746 2,900
الباب الثاني 1,293 1,508 1,105 36 57 170 400
الباب الثالث 878 0 595 0 0
خارج الميزانية/طوارئ 1,550 900 0 0 35 296
الإجمالي 0 0 5,318 6,819 4,779 3,793 1,731 3,212 3,300
القطاع الأمني 2010 2011 2012 2013 2014 2015 2016 2017 2018
الباب الأول 1,436 3,902 5,649 7,588 4,291 2,508 3,829 4,089
الباب الثاني 241 1,403 1,635 1,259 45 60 185 425
الباب الثالث 250 1,659 36 595 50
خارج الميزانية/طوارئ 2,842 926 35 327 60
الإجمالي 1,927 8,147 9,869 8,883 4,931 2,603 4,341 4,624

المصدر: تقرير ديوان المحاسبة، أعداد مختلفة

وقد شكل الإنفاق على القطاع الأمني ما نسبته 16٪ تقريبا من جملة الإنفاق العام خلال هذين العامين، حيث شكل الإنفاق على وزارة الدفاع نحو 10٪ من جملة الإنفاق العام، في حين حصلت وزارة الداخلية على نحو 6٪ من جملة الإنفاق العام، كما هو واضح من الجدول رقم (2).

جدول 2 نسبة الإنفاق على القطاع الأمني إلى إجمالي الإنفاق العام

القطاع 2012 2013 2014 2015 2016 2017 2018
وزارة الداخلية 5.8% 4.7% 9.3% 3.2% 2.9% 3.5% 3.2%
وزارة الدفاع 10.8% 10.4% 10.8% 10.5% 5.7% 9.8% 8.0%
القطاع الأمني 16.6% 15.1% 20.1% 13.7% 8.5% 13.3% 11.3%

المصدر: حسبت من قبل الباحث بالاستناد إلى البيانات المنشورة في تقارير ديوان المحاسبة

وتذهب نسبة كبيرة من الإنفاق على القطاع الأمني خلال هذه الفترة لدفع المرتبات وما في حكمها، حيث زاد إجمالي نفقات الباب الأول للقطاع من 3.9 مليار في عام 2012 إلى 5.6 مليار دينار في العام 2013، وتعكس هذه الزيادة في بند المرتبات التوسع في زيادة حجم القوى العاملة في القطاع الأمني نتيجة لعمليات التهجين التي تمت الإشارة إليها أعلاه حيث انضم عدد كبير من المدنيين إلى القطاع الأمني. ويوضح الجدول رقم (3) الزيادة في عدد العاملين في القطاع الأمني في العام 2014 بالمقارنة مع عددهم في العام 2010، حيث كان عدد العاملين في القطاع الحكومي في العام 2010 895,410 أفراد، منهم 266,543 فردًا يعملون في القطاع الأمني ويشكلون ما نسبته 29.8٪ من إجمالي العاملين في القطاع الحكومي، وارتفع عدد العاملين في القطاع الحكومي في العام 2014 إلى 1,524,078 فردًا، منهم 480,502 فرد يعملون في القطاع الأمني ويشكلون ما نسبته 31.5٪ من إجمالي العاملين في القطاع الحكومي. ويتضح من الجدول أنه بخلاف الزيادة المطلقة في عدد العاملين في القطاع الأمني، فإن الزيادة النسبية في عدد العاملين في هذا القطاع كانت في المتوسط أعلى من معدل الزيادة النسبية للعاملين في القطاع الحكومي بشكل عام، وإن كانت هذه الزيادة تعد ضئيلة نسبيا. وتشير البيانات المتوافرة أن القطاع الأمني هو ثاني أكبر قطاع من حيث عدد العاملين بعد قطاع التعليم الذي بلغ عدد العاملين فيه 512,904 أفراد في العام 2014.

جدول 3 عدد العاملين في القطاع الأمني

2010 النسبة 2013 النسبة
إجمالي العاملين في القطاع العام 895,410 1,524,078
إجمالي العاملين في وزارة الداخلية 190,543 21.3% 289,899 19.0%
إجمالي العاملين في وزرارة الدفاع 76,000 8.5% 190,603 12.5%
إجمالي العاملين في القطاع الأمني 266,543 29.8% 480,502 31.5%

المصدر: تقرير ديوان المحاسبة، أعداد مختلفة، وقانون الميزانية العامة للعام 2010.

تتدفق الموارد أيضا إلى القطاع الأمني من خلال الباب الثاني للميزانية، ويغطي هذا الباب في الغالب النفقات التسييرية. ومن خلال الجدول رقم (1) يتضح أن نفقات هذا الباب قد زادت بشكل طفيف من 1.4 مليار في عام 2012 إلى 1.6 مليار في عام 2013، بزيادة نسبية قدرها 14٪. والجدير بالملاحظة هو أن بعض المصروفات التي تقيد ضمن الباب الثاني يتم في واقع الأمر تخصيصها في شكل مكافآت، وهو ما يعني أن جزءًا معتبرًا من المصروفات المحتسبة ضمن الباب الثاني هو في الواقع يمثل إنفاقًا على الباب الأول، فعلى سبيل المثال لاحظ ديوان المحاسبة في العام 2012 أن 31٪ من الإنفاق على الباب الثاني والبالغ 1318 مليون دينار ليبي خُصص مكافآت للثوار بواقع 409 مليون دينار.

لمواجهة بعض الظروف الخاصة التي تتطلب تخصيص موارد إضافية لهذا القطاع، تقوم الحكومة بتخصيص ميزانيات خاصة أو ميزانيات طوارئ للإنفاق. ولعل أبرز مثال على ذلك هو قرار المجلس الوطني الانتقالي رقم (8) لسنة 2012 باعتماد مبلغ ثلاثة مليارات دينار ميزانية استثنائية. ومن اللافت للنظر أن القانون نص على استثناء هذه الميزانية من أحكام القانوني المالي للدولة ولائحته التنفيذية، كما صدر قرار مجلس الوزراء رقم (113) لسنة 2012 الذي استثنى تنفيذ الميزانية من أحكام لائحة العقود الإدارية، وبهذا أصبح تنفيذ هذه الميزانية لا يخضع لأي قيود رقابية تقريبا.

يوضح الجدول رقم (4) توزيع مخصصات هذه الميزانية بين القطاع الأمني وباقي قطاعات الحكومة، وكما يظهر من الجدول خصصت نحو 83٪ من هذه الميزانية للقطاع الأمني على النحو المبين في الجدول، حيث حصلت رئاسة الأركان على 1150 مليون دينار، وحرس الحدود على 256 مليون دينار واللجنة الأمنية العليا على 528 مليون، أما وزارة الداخلية، فخصص لها 683، ووزع الباقي 383 مليون دينار على قطاعات أخرى.

جدول 4 توزيع ميزانية الطوارئ للعام 2012 (القيمة بملايين الدينارات)

البند القيمة النسبة
رئاسة الأركان 1,150 38.3%
حرس الحدود 256 8.5%
اللجنة الأمنية العليا 528 17.6%
وزارة الداخلية 683 22.8%
إجمالي القطاع الأمني 2,617 87.2%
باقي القطاعات غير الأمنية 383 12.8%
الإجمالي 3,000 100.0%

المصدر: تقرير ديوان المحاسبة للعام 2013

توضح الأرقام الواردة في الجداول أعلاه أهمية التمويل الحكومي الرسمي الذي تحصل عليه التشكيلات المسلحة المختلفة في ليبيا حيث شكل الإنفاق على القطاع الأمني عليها نحو 15٪ في المتوسط من إجمالي الإنفاق العام خلال الفترة من العام 2012 إلى العام 2018، وبالنظر إلى أن التشكيلات المسلحة المتصارعة في ليبيا تنتمي بشكل أو بآخر إلى أجهزة الدولة الرسمية وتتلقى مخصصات مالية رسمية من الدولة، فإنه يمكن القول إن الحرب الأهلية الليبية ممولة بشكل رسمي من قبل الدولة. ونظرا لإدراك الأطراف المتصارعة في ليبيا لأهمية التمويل الحكومي الرسمي للتشكيلات المسلحة التابعة لك فريق، فقد حرص كل فريق على ايجاد آلية تضمن تدفق التمويل الحكومي لتشكيلاته، وعندما حدث الانقسام السياسي في البلاد بعد منتصف العام 2014 انقسمت أيضا المؤسسات المالية حيث ظهر مصرف مركزي إضافي في شرق البلاد تتبعه مجموعة من المصارف التجارية ومصرف مركزي في غرب البلاد تتبعه مجموعة من المصارف التجارية، وأسهم المصرفان في توفير الموارد المالية للتشكيلات المسلحة التي يقع ضمن مناطق سيطرتها[16].

4.2.2 التمويل غير الرسمي (عبر الأنشطة غير القانونية)

بدأت الإيرادات العامة في الانخفاض منذ العام 2014 كما هو واضح في الجدول رقم 1، وذلك بسبب انخفاض الكميات المنتجة والمصدرة من النفط بعد أزمة إغلاق الموانئ النفطية أواخر العام 2013 وكذلك انخفاض أسعار النفط، حيث انخفضت الإيرادات العامة من 51.7 مليار دينار في عام 2013 إلى 19.9 مليار دينار في العام 2014 لتصل إلى أدني مستوى لها عام 2016 لتبلغ 6.6 مليار دينار قبل أن ترتفع من جديد في عام 2017، ولكنها لم تصل إلى مستوياتها في العام 2012. وأدى انخفاض الإيرادات العامة إلى قيام الحكومة بخفض النفقات العامة لكي تتحكم في عجز الميزانية، فقد انخفض إجمالي النفقات العامة من 65.6 مليار دينار في العام 2013 إلى 44.2 في العام 2014 إلى أن وصلت لأدنى قيمة لها في العام 2016 حيث بلغت 30.4 مليار دينار، ولقد انعكس هذا الانخفاض في النفقات العامة على الإنفاق على القطاع الأمني، حيث انخفض من 9.8 مليار دينار في عام 2013 إلى 4.9 في عام 2015 ليصل إلى أدنى قيمة له في العام 2016، 2.6 مليار.

أدى هذا الانخفاض في الإنفاق الرسمي على القطاع الأمني والتشكيلات المنضوية تحته إلى لجوء الكثير من هذه التشكيلات إلى الانخراط في أعمال غير قانونية من أجل المحافظة على وجودها العسكري واستمرار قدرتها على تجنيد الأفراد، وفيما يلي أهم المصادر والأنشطة غير القانونية التي اعتمدت عليها بعض التشكيلات لتعويض الانخفاض في تدفق الموارد المالية الرسمية من الحكومة.

النهب

تُعدّ أعمال النهب من أول مصادر الحصول على الأموال والأصول المادية التي انخرطت فيها التشكيلات المسلحة منذ بداية الصراع في العام 2011، وتُعدّ عمليات الاستيلاء على الأموال والأصول الثابتة والمنقولة لأنصار ورموز النظام السابق في مناطق سرت وطرابلس وغيرهما من المدن من بين أبرز الأمثلة على عمليات النهب المنظم التي قامت بها تشكيلات الثوار خلال العام 2011 وما تلاه. وبالرغم من تسليم بعض هذه التشكيلات لما تحصلت عليه من أموال للمجلس الانتقالي في حينه، فإن الجانب الأكبر من هذه الأموال ذهب لحسابات قادة وأفراد هذه التشكيلات. وقد استمرت أعمال النهب في مراحل الصراع التالية في كل من بنغازي وطرابلس ومناطق أخرى، حيث جرى على سبيل المثال الاستيلاء على كثير من أموال وممتلكات المهجرين من بنغازي الذين يُعتقد أن لهم علاقات تنظيمية أو حتى عائلية مع أفراد وقيادات التنظيمات الإرهابية مثل أنصار الشريعة وداعش أو علاقات مع أعضاء مجلس شورى ثوار بنغازي والدروع.

كما طالت أعمال النهب أصول الشركات العامة المملوكة للدولة الليبية، وكذا أصول بعض الشركات الأجنبية العاملة في ليبيا، خاصة في مجال البناء والتشييد وقطاع النفط، حيث جرى الاستيلاء على سيارات وشاحنات ومعدات هذه الشركات وتم التصرف ببيعها في السوق المحلي أو تهريبها إلى الخارج ودول الجوار أو تم الاحتفاظ بها واستخدامها لأغراض شخصية لقادة وأفراد هذه التشكيلات أو لصالح التشكيلات نفسها.

كما نشطت بعض التشكيلات في الاستيلاء على أموال المصارف التجارية وكذا أموال المصرف المركزي، ويعد استيلاء تشكيلات مسلحة في مدينة سرت على شحنات أموال للمصرف المركزي كانت في طريقها لفرع المصرف في المدينة في عام 2016 من بين أبرز الأمثلة على نهب أموال المصارف.

 التهريب

يعد التهريب من الأنشطة الراسخة في ليبيا قبل نشوء الصراع في عام 2011، حيث لدى ليبيا حدود برية مشتركة مع ست دول هي مصر شرقا والسودان وتشاد والنيجر جنوبا وتونس والجزائر غربا، و يصل طول هذه الحدود البرية 4000 كيلو متر بالإضافة إلى شريط ساحلي على البحر الأبيض المتوسط بطول 1700 كيلو، كل ذلك يجعل من مراقبة الحدود مهمة شاقة وصعبة حتى خلال فترة حكم القذافي حيث كانت تتم عمليات تهريب للكثير من السلع من وإلى ليبيا، ولكن مع انهيار المؤسسات المسؤولة عن مراقبة الحدود والتحكم في المنافذ البرية والبحرية والمطارات، وتولي بعض التشكيلات المسلحة لمهام الإشراف عليها، انخرطت بعض التشكيلات في أنواع مختلفة من التهريب أو في التعاون مع المهربين بغرض تحقيق مكاسب مالية. وفيما يلي أهم أنشطة التهريب التي انخرطت فيها بعض التشكيلات المسلحة المنضوية تحت مؤسسات القطاع الأمني :

ا. تهريب الأسلحة

يعدّ تهريب وتجارة في الأسلحة من أول الأنشطة التي انخرطت فيها الكثير من التشكيلات المسلحة وأفرادها في مرحلة مبكرة من الصراع، فقد ذكر تقرير لجنة الخبراء المنشأة عملا بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1973 لسنة 2011 المعني بليبيا – أنه تم ضبط شحنة أسلحة ومتفجرات وألغام على الحدود مع النيجر بتاريخ 12 يونيه 2011 قادمة من ليبيا وقد احتوت هذه الشحنة على كميات كبيرة من المتفجرات والألغام (نحو 40 سيارة مشحونة بهده المواد) وأثبتت التحقيقات اللاحقة التي قامت بها لجنة الخبراء أن هذه الأسلحة والمتفجرات تعود إلى ترسانة أسلحة نظام القذافي، وأن هذه الشحنة كانت في طريقها إلى مالي حيث تتمركز خلايا تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، كما ذكر التقرير قيام كل من تونس ومصر والسودان بضبط شحنات عدة من الأسلحة قادمة من الحدود مع ليبيا.

وقد ساهمت مجموعة من العوامل في ظهور هذا النوع من التهريب وبشكل مبكر جدا:

– وجود مخزون كبيرا جدا ومتنوع من الأسلحة في ليبيا تمت مراكمته خلال فترة حكم القذافي خاصة في فترة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، تُقدر بكونها من الأكبر في المنطقة، كما أن بعض هذه الأسلحة تعدّ نوعية وذات قيمة مالية عالية مثل أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات والمحمولة على الكتف، وبكلمات أخرى هناك عرض كبير لمخزون الأسلحة في ليبيا ناشئ بالأساس من مخزون أسلحة القذافي بالإضافة إلى ما تدفق إلى أطراف الصراع من الخارج مع بداية الحرب في عام 2011.

– شكلت حالة عدم الاستقرار في بلدان الساحل الإفريقي، مالي والنيجر والسودان، ونشاط وانتشار الجماعات الإرهابية وحركات التمرد في هذه المنطقة مصدر طلب كبير على الأسلحة والذخائر المختلفة سواء الأسلحة الخفيفة وذخائرها أو الأسلحة النوعية مثل المتفجرات وصواعقها والألغام وأنظمة الصواريخ المحمولة على الكتف.

– أدى ضعف إجراءات وتدابير إدارة هذا المخزون وتأمينه والسيطرة عليه من قبل أجهزة الدولة المختصة بالإضافة إلى ضعف سيطرة الدولة على حدودها إلى انخفاض تكلفة الانخراط في عمليات تهريب وبيع الأسلحة.

كل هذه العوامل مجتمعة جعلت من ليبيا سوقا مغرية لتجارة الأسلحة غير الشرعية، وقد انتبهت التشكيلات المسلحة مبكرا جدا لأهمية السيطرة على مخزون الأسلحة المتراكم في ليبيا سواء لأنها، أي الأسلحة، تعزز من نفوذها وتأثيرها الأمني والسياسي أو توفر لها القدرة على تحقيق قدر معتبر من الموارد المالية من خلال الانخراط في تجارة الأسلحة وتهريبها عبر الحدود. ولذلك بادرت بعض التشكيلات المسلحة بمحاولة التواصل مع تجار الأسلحة ووسطاء أجانب بقصد بيع جزء من مخزون الأسلحة الذي تسيطر عليه، وبالمثل بادرت بعض الجماعات الإرهابية، مثل جماعة بوكو حرام النيجيرية وتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، وحركات التمرد المدعومة من أطراف إقليمية ودولية، مثل جماعة العدل والمساوة السودانية والمعارضة التشادية، الناشطة في منطقة الساحل إلى محاولة الحصول على أسلحة وذخائر ومعدات عسكرية من ليبيا. وقد تركز طلبها بشكل أساسي حسب تقرير لجنة الخبراء على أنظمة الدفاع الجوي المحمولة وكذلك الأسلحة الخفيفة والرشاشات المتوسطة من عيار 12.5 و14.5 ملم وذخائرها.

ونتيجة لهذا التفاعل بين وجود عرض كبير من الأسلحة المختلفة والطلب الملح من قبل جماعات وتنظيمات ذات قدرات تنظيمية عالية نشأت بسرعة سوق كبيرة ورائجة لتهريب وتجارة الأسلحة في ليبيا. وبالرغم من صعوبة إعطاء تقديرات رقمية لقيمة هذه السوق وحجم العوائد المالية التي تعود على المنخرطين في هذه التجارة – فإن هناك اعتقادًا أنها وفرت عوائد مالية كبيرة للتشكيلات المنخرطة فيها. لمزيد من التفاصيل حول هذه التجارة انظر تقرير لجنة الخبراء 2012.

وحسب تقرير لجنة العقوبات فقد حدثت صراعات بين التشكيلات المسلحة للسيطرة على هذا المخزون والتصرف فيه.

ب. تهريب الوقود

تعدّ أسعار الوقود في ليبيا من بين الأقل في العالم؛ وهذا يجعل من المتاجرة فيها وتهريبها لدول الجوار تجارة مربحة تدر عائدًا كبيرًا جدًا. ولقد كان هذا النوع من التهريب سائدا خلال فترة حكم القذافي وخاصة عبر معبر راس جدير والحدود الجنوبية لليبيا، ولكن بعد العام 2011 وخاصة بعد العام 2013 و2014، تحول هذا النوع من التهريب إلى مستويات مختلفة تماما سواء من حيث الحجم والعوائد المترتبة عليه أو من حيث الأطراف المنخرطة فيه داخليا وخارجيا، ففي فترة ما قبل العام 2011 كان نشاط تهريب الوقود يتم عبر الحدود البرية التونسية والجنوبية مع النيجر وتشاد والسودان، كما أن الكميات المهربة كانت غير كبيرة نسبيا يضاف إلى ذلك انخفاض المستوى التنظيمي للأطراف المنخرطة فيه، حيث كانت يدار نشاط تهريب الوقود من قبل أفراد غير منظمين أو يتبعون إلى تشكيلات مسلحة.

حدث في عمليات تهريب الوقود تحول كبير ونوعيّ بعد العام 2013، وشمل هذا التحول التقنيات المستخدمة في التهريب وطبيعة الجهات والأطراف المنخرطة فيه، والكميات المهربة والتشابك مع أنشطة التهريب الأخرى، وكذلك النطاق الجغرافي للتهريب. فقد أصبح التهريب يتم بشكل أساسي عبر البحر، وأصبحت مدينة زوارة والزاوية مركزين لتهريب الوقود عبر البحر لأوروبا عبر مالطا، ويشترك في عمليات التهريب بعض التشكيلات التي تتبع القطاع الأمني الرسمي مثل جهاز حرس المنشآت النفطية وحفر السواحل في هذه المدن، كما تم تبني تقنيات معقدة لشحن الوقود في عرض البحر قبالة الشواطئ الليبية، حيث يتم الشحن في ناقلات تمتلكها مافيات تهريب الوقود. وبالإضافة إلى تهريب الوقود عبر البحر، فإنه يتم تهريب الوقود بالبر أيضا إلى تونس، وتحصل التشكيلات المسلحة المسؤولة عن مراقبة الحدود على إتاوات من المهربين نظير السماح لهم بممارسة نشاطهم.

ويدر نشاط تهريب الوقود عائدات طائلة على الأطراف المنخرطة فيه، حيث قدر رئيس المؤسسة الوطنية للنفط حجم الخسائر المترتبة عن تهريب الوقود بنحو مليار دينار سنويا[17].

ج. تهريب السلع

تتبنى ليبيا نظام لدعم بعض أنواع السلع الغذائية الأساسية مثل القمح والدقيق والسكر والشاي والأرز والمعجنات وبعض الأدوية، ويؤدي نظام الدعم هذا إلى انخفاض أسعار هذه السلع بالمقارنة مع أسعارها في دول الجوار؛ مما يخلق هامشًا للربح من عملية المتاجرة في هذه السلع في السوق السوداء وتهريبها لبلدان الجوار، ولقد كان هذا النوع من التجارة والتهريب رائجًا حتى قبل العام 2011، إلا أنه مع ضعف سيطرة الدولة على الحدود وخاصة الحدود الجنوبية والمنافذ البرية في شرق البلاد وغربها زاد رواج هذه التجارة، وهناك بعض الأدلة على انخراط بعض التشكيلات المسلحة خاصة في المناطق الحدودية الجنوبية، وتلك المسيطرة على المنافذ البرية في هذه التجارة، سواء بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر من خلال فرض أموال حماية على مهربي هذه السلع للسماح لهم بمزاولة التهريب وتقديم الحماية ضمن المناطق التي يسيطرون عليها لقوافل التهريب. وتشير تقارير ديوان المحاسبة للعام 2014 إلى أن الدولة الليبية أنفقت أكثر من مليارَي دينار ليبي خلال العام 2012 على دعم السلع الغذائية الأساسية، وهذا يساوي تقريبا ثلاثة أضعاف ما كان يخصص لدعم السلع الغذائية قبل العام 2011، وتشير هذه الزيادة الكبيرة في الإنفاق على دعم السلع الغذائية إلى مقدار السلع المهربة من السوق المحلية لبلدان الجور أي أن نحو ثلثي ما تم الإنفاق عليه من السلع الغذائية تم تهريبه.

د. تهريب البشر (الهجرة غير الشرعية)

لم يكن نشاط الهجرة غير الشرعية عبر ليبيا نشاطا منظما بشكل كبير قبل العام 2011، ولكن مع انهيار مؤسسات الدولة المسؤولة عن السيطرة والتحكم ومراقبة الحدود والمنافذ البرية والبحرية والمطارات – شهد هذا النشاط توسعا كبيرا خاصة بعد العام 2014 حيث أفرد تقرير لجنة الخبراء للعام 2016 جزءًا خاصًا من التقرير لتوثيق العمليات والأنشطة والأطراف المنخرطة في الهجرة غير الشرعية من إفريقيا إلى أوروبا عبر ليبيا.

ويشير التقرير إلى وقوف شبكات إجرامية دولية عابرة للحدود وراء تنظيم وتسيير قوافل المهاجرين غير الشرعيين عبر الأراضي الليبية، كما يشير التقرير إلى أن دور التشكيلات المسلحة الليبية ينحصر في مهمة تيسير مرور وحماية قوافل المهاجرين عند عبورهم للأراضي الليبية، وتنخرط في هذا النشاط تشكيلات مسلحة من الكفرة والقطرون وأوباري في الجنوب وفي أجدابيا وطرابلس وبنغازي في الشمال، في حين تعدّ زوارة وصبراته من الموانئ الرئيسية التي ينطلق منها المهاجرون غير الشرعيين نحو أوروبا، وتشير الأدلة المتوافرة إلى تورط تشكيلات مسلحة في هذه المناطق، بالإضافة إلى وحدات من خفر السواحل في عمليات الهجرة غير الشرعية.

ويعتقد أن أنشطة الهجرة غير الشرعية تدر عوائد مالية ضخمة جدا للأطراف المنظمة والمشاركة فيها، فعلى سبيل المثال ذكر تقرير لجنة الخبراء للعام 2017 أن نحو 800 إلى 1000 مهاجر يعبرون الأراضي الليبية يوميا ويتم تقاضي مبلغ 5000$ عن كل مهاجر نظير تنظيم عملية نقله من بلده الأم إلى أوروبا. وبهذا يمكن استنتاج أن حجم العوائد السنوية عن نشاط الهجرة غير الشرعية عبر ليبيا يتراوح بين 1.4 و 1.8 مليار دولار أمريكي سنويا. وتحصل التشكيلات المسلحة في ليبيا على حصة معتبرة من هذه الأموال لدورها في حماية وتسهيل مرور قوافل المهاجرين عبر المناطق التي تسيطر عليها.

استخدام القوة

تمنح القوة المسلحة بعض التشكيلات العسكرية نوعًا من النفوذ والسلطة في المناطق التي تقع تحت سيطرتها، وتستخدم التشكيلات المسلحة قوتها لتحقيق مكاسب وعوائد مالية لأفرادها أو قياداتها أو لتشكيلاتها كمنظمات، ويأخذ استخدام القوة عدة أشكال وأنماط، فيما يلي أهم هذه الأنماط:

ا. الخطف والاحتجاز بغرض الابتزاز

يعدّ الخطف والاحتجاز القصري من بين الأدوات التي تستخدمها بعض التشكيلات المسلحة من أجل ابتزاز الأموال والممتلكات من الأفراد وبعض مسؤولي الدولة، ولقد أشار تقرير لجنة الخبراء للعام 2015 إلى انتشار ظاهرة الاحتجاز القصري والخطف وذكر أن من بين أسباب هذه الظاهرة الابتزاز والحصول على الأموال من الأفراد وخاصة مسؤولي النظام السابق، فعلى سبيل المثال أقام أحد قادة التشكيلات المسلحة في تاجوراء مركز احتجاز بمشروع النعام، واحتجز فيه عددًا من مسؤولي النظام السابق والمتعاطفين معهم، وقام بابتزاز أقاربهم وزوارهم، واستولى منهم على مبالغ طائلة، كما أشار نفس التقرير إلى حدوث عمليات ابتزاز واستلاء على أموال من المحتجزين أو ذويهم في سجن الجزيرة والعسة وجودايم في منطقة الزاوية. وتكرر الأمر نفسه في سجن معيتيقة. بالإضافة إلى ذلك تقوم بعض التشكيلات بإلقاء قبض أو خطف لبعض الأثرياء ورجال الأعمال ومسؤولي الدولة لمساومتهم للحصول على أموال وأملاك عقارية وأراضٍ لقاء إطلاق سراحهم.

ب. الإتاوات وأموال الحماية

تقوم بعض التشكيلات المسلحة في المراكز الحضرية والتجارية الكبرى وخاصة طرابلس بفرض رسوم حماية وإتاوات على أصحاب الأعمال والتجارة بأسلوب يشبه أسلوب عصابات المافيا نظير عدم التعرض لأنشطتهم والسماح لهم بالعمل ضمن مناطق سيطرة هذه التشكيلات، وتستخدم بعض التشكيلات نفس الأسلوب مع مؤسسات وإدارات الدولة المختلفة للحصول على مكاسب مادية نظير حمايتها والسماح لها بالاستمرار في أنشطتها ومزاولتها لمهامها، فعلى سبيل المثال ذكر تقرير لجنة الخبراء لسنة 2017 قيام بعض التشكيلات المسلحة في طرابلس بتهديد وابتزاز موظفي المصارف التجارية والمصرف المركزي للحصول على خطابات ضمان تفضيلية لمصلحة بعض الشركات المتعاونة مع هذه التشكيلات بغرض الاستفادة من هذه الخطابات من خلال هامش الربح الذي يوفره الفرق بين سعر الصرف الأجنبي (الدولار واليورو) الرسمي وسعره في السوق السوداء. وبالمثل استخدمت قوة الردع الخاصة نفوذها لضمان حصول بعض الشركات على عقود تفضيلية في مجال البناء والتشييد، كما زاد تأثير بعض التشكيلات الأخرى على المؤسسة الليبية للاستثمار وشركات الاتصالات وضمنت عضويات لأفراد مقربين منها في إدارة هذه المؤسسات والشركات؛ مما مكنها في النهاية من تحقيق مكاسب مالية.

إن العرض السابق يوضح الحجم الضخم للأموال والمنافع الاقتصادية التي تحققها التشكيلات المسلحة المختلفة في ليبيا من جراء ضعف الدولة وعدم سيطرتها على القطاع الأمني كل هذا يخلق مصلحة حقيقية وراسخة لهذه التشكيلات وقياداتها في استمرار حالة الفراغ الأمني وما يتضمنه من استمرار حالة الصراع، وإن كان عند مستويات منخفضة.

5. الأجندة الاقتصادية وإطالة أمد الصراع في ليبيا

أدى سقوط نظام القذافي في نهاية العام 2011 إلى حدوث انهيار في القطاع الأمني ومؤسسات الجيش والشرطة، وحدث فراغ أمني كبير، وضعفت إلى حد بعيد سيطرة الدولة على وسائل الإكراه، ولم يفلح المجلس الانتقالي والسلطات التالية له في ملء هذا الفراغ الأمني، بالرغم من كل الجهود المبذولة في هذا الإطار والتي أسفرت عن تكوين تشكيلات تتبع الدولة اسميا وتتلقى منها التمويل، ولكنها تتمتع بقدر كبير من الاستقلالية، وأصبح القطاع الأمني مكونًا من تشكيلات تعبر عن انتماءات ومصالح مناطقية وقبلية وأيدولوجية لا تربط بينها سلسة واضحة. وقد ساهمت عدة عوامل في نشوء هذا الواقع منها:

  • عجز السلطات المتعاقبة على وضع استراتيجية واضحة للتعاطي مع التشكيلات المسلحة التي تكونت خلال مرحلة الصراع مع قوات نظام القذافي،
  • عدم قدرة السلطات على تفعيل أجهزة الأمن المختلفة من جيش وشرطة؛ مما خلق فراغًا أمنيًّا كبيرًا أظهر الدولة بمظهر العاجز في مواجهة التحديات الأمنية المختلفة ابتداء من ضبط الأمن ومكافحة الجريمة إلى منع النزاعات المحلية والجهوية مرورا بعدم القدرة على تأمين الحدود والمنافذ البرية والمطارات والموانئ،
  • قيام بعض التشكيلات بملء جانب من الفراغ الأمني الذي خلفه ضعف أجهزة الدولة؛ مما أعطى نوعًا من الشرعية والقبول المحليين لهذه التشكيلات في المناطق التي تسيطر عليها،
  • توافر كميات كبيرة من مخزون الأسلحة والذخائر التي راكمها نظام القذافي خلال العقود الماضية وضعف إجراءات التحكم في هذا المخزون من قبل أجهزة الدولة، يضاف إلى ذلك ما تدفق من أسلحة من الخارج،
  • قيام الدولة بصرف مرتبات ومزايا مادية لأفراد وقيادات التشكيلات المسلحة وذلك في محاولة لاحتوائها،
  • ارتفاع البطالة بين الشباب وعجز الدولة عن خلق بيئة مناسبة لنمو الأنشطة الاقتصادية والتوظيف؛ مما جعل الانضمام إلى التشكيلات المسلحة بديلا جذابا للشباب.

5.1 التحول من العنف السياسي إلى العنف الاقتصادي

عندما تطورت الاحتجاجات والمظاهرات إلى صراع مسلح في العام 2011 بين قوات معسكر الثوار وقوات نظام القذافي كان هدف الثوار إسقاط نظام القذافي وإحداث تغيير سياسي شامل في طريقة إدارة البلاد أي تغيير قواعد اللعبة Rules of Game في حين كان هدف قوات نظام القذافي القضاء على التمرد والمحافظة على استمرار النظام السياسي القائم، أي أنه يمكن القول أن الصراع في العام 2011 يندرج ضمن ما يعرف بالعنف السياسي الذي يهدف إما إلى تغيير قواعد اللعبة في المجتمع أو المحافظة على القواعد القائمة وإنهاء التمرد عليها.

بعد سقوط نظام القذافي أدركت مبكرا القوى السياسية الصاعدة أهمية ومحورية السيطرة على القطاع الأمني في معادلة الحكم في ليبيا، فقد كان القطاع الأمني وقوته الضاربة من بين العوامل التي اعتمد عليها القذافي في استمرار حكمه لفترة تجاوزت الأربعين سنة، ولذلك ارتبط في أذهان الكثير من قيادات التيارات السياسية أن النفوذ السياسي مرتبط بشكل وثيق بالقوة العسكرية والقدرة على استخدامها لفرض إرادتها وتحقيق مصالحها. وأدى عجز المجلس الوطني الانتقالي عن بناء قوة أمنية تخضع له وتنصاع لأمره إلى تنافس الأطراف السياسية الصاعدة على إعادة تشكيل القطاع الأمني بطريقة تضمن تحقيق مصالحها. وقد اتخذت هذه المنافسة صور عدة، أهمها التنافس في مجال القيادة والتنظيم، والتنافس في مجال التعبئة والتجنيد، والمنافسة في مجال الميزانيات والموارد المالية المخصصة للقطاع.

اتخذ التنافس في مجال التنظيم والإدارة شكل محاولة تولي المناصب العسكرية والأمنية العليا في وزارة الدفاع والداخلية ورئاسة الأركان. وقد كان توزيع هذه المناصب بعد العام 2011 يعكس توازنات القوى الصاعدة في مصراته والزنتان، أما التنافس في مجال التعبئة والتجنيد، فقد شمل التوسع في ضم أفراد جدد للتشكيلات القائمة أو إنشاء تشكيلات جديدة، في حين اتخذ التنافس على مصادر التمويل أشكالا عدة منها المبالغة في إعداد القوي العمومية للتشكيلات، والمبالغة في مصروفات الإعاشة والإقامة والقيافة.

في خضم عملية التنافس هذه، أدركت التشكيلات أن بإمكانها تحقيق تفوق ونفوذ أكبر من خلال التلويح باستخدام العنف أو استخدامه بشكل محدود في مواجهة الدولة والمسؤولين الحكوميين؛ ولذلك انخرطت التشكيلات المسلحة وخاصة تلك الموجودة في العاصمة في سباق للسيطرة على مواقع الوزارات والمصالح الحكومية المهمة بدعوى حراستها وتأمينها. هذا الوضع دفع بعض التشكيلات المسلحة خارج العاصمة لاستخدام المرافق الحيوية التي تقع ضمن مناطق سيطرتها للضغط على الحكومة وابتزازها لتحقيق مطالبها ومصالحها، ومن أمثلة ذلك السيطرة على مرافق إنتاج وتصدير وتكرير النفط، وبالمثل سيطرة تشكيلات أخرى على المطارات والمنافذ البرية كما هو الحال بالنسبة إلى مطار طرابلس قبل العام 2014 ومنفذ راس أجدير.

التنافس بين التشكيلات على المرافق الحيوية وما توفره من فرص لابتزاز أجهزة الدولة والمسؤولين الحكوميين أدى إلى زيادة التوترات الأمنية والمواجهات المسلحة بينها لاقتسام وإعادة اقتسام مناطق النفوذ، وبهذا حدث تحول في هدف استخدام العنف والتلويح به من هدف سياسي يسعى إلى إحداث تغيير طويل الأجل في النظام السياسي إلى عنف يسعى إلى تحقيق مكاسب مادية واقتصادية مباشرة وقصيرة الأجل.

5.2 مبدأ المحافظة على توازن القوى واستدامة الصراع في ليبيا

أوضح الجزء السابق أن ثمة تحولًا أساسيًا حدث في أهداف العنف والصراع ما بعد العام 2011 فليس هناك عدو محدد لهزيمته والقضاء عليه، وليس هناك هدف سياسي واضح لتحقيقه، وإنما هو الصراع من أجل ضمان تحقيق مكاسب مادية واقتصادية وزيادة في مستوى النفوذ والتأثير في سلطة الدولة، وما يرتبط به من تنافس بين التشكيلات المسلحة، يستثنى من ذلك الصراع مع داعش وبعض الجماعات الإرهابية الأخرى مثل أنصار الشريعة في شرق البلاد ووسطها، حيث أدركت التشكيلات المسلحة حجم المنافع والمكاسب الاقتصادية التي تعود عليها من استغلال الفرص التي يوفرها اقتصاد الحرب؛ ومن ثم أصبحت لدى هذه التشكيلات مصلحة راسخة في المحافظة على الوضع القائم وتكريسه، بما يتضمنه ذلك من ضمان استمرار ضعف الدولة ومقاومة أي جهد حقيقي لإصلاح القطاع الأمني وبناء قدرات أمنية محترفة تأتمر بأوامر الدولة.

تتطلب المحافظة على مصالح التشكيلات المسلحة بالضرورة استمرار التنافس فيما بينها، بما يتضمنه ذلك من حدوث صراعات محدودة فيما بينها للمحافظة على الوضع القائم، وتعكس حدة الصراعات فيما بعد العام 2014 هذه الحقيقة، الأمر الذي دفع إلى وصف الحرب في ليبيا بأنها حرب منخفضة الضحايا ومنخفضة الكثافة[18].

 وينتج عن حالة التنافس المستمر بين التشكيلات نوع من توازن القوى بين هذه التشكيلات يتضمن توزيع محدد للمنافع والمكاسب المادية والاقتصادية يعكس القوى النسبية لهذا التشكيلات. ويستمر هذا التوازن للقوي وهذا التوزيع النسبي للمكاسب إلى أن يهدد بشكل جسيم أحد التشكيلات هذا التوازن، عندئذ تهب التشكيلات المتنافسة معا لمواجهة هذا التهديد والتصدي له للمحافظة على توازن القوى القائم[19]. وتمثل استجابة تشكيلات طرابلس لهجوم اللواء السابع في شهر أكتوبر من العام 2018 مثالا بارزا على ذلك، فقد هدد هجوم اللواء السابع على طرابلس توازن القوى القائم في العاصمة، ولذلك تغاضت التشكيلات المسيطرة في طرابلس عن حالة التنافس والصراع منخفض الحدة الذي كان سائدًا بينها، وشكلت جبهة موحدة للتصدي للهجوم، وبالمنطق نفسه، يمكن فهم توحد التشكيلات المختلفة في غرب ليبيا بالرغم من التنافس والصراع السائد بينها للتصدي لهجوم قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، حيث شكل هذا الهجوم تهديدًا حقيقيًا لتوازن القوى السائد في المنطقة الغربية إجمالا والعاصمة بشكل خاص.

وكنتيجة للتحليل السابق يمكن القول إن سعي التشكيلات المسلحة إلى المحافظة على مبدأ توازن القوى والتنافس المستمر فيما بينها ومقاومتها لأي جهد لبناء قطاع أمنى محترف يخضع لسلطة – يؤدي إلى نشوء ديناميكية من شأنها استدامة الصراع وعدم الاستقرار في ليبيا.

6. الخلاصة والتوصيات

هدفت هذه الورقة إلى استقصاء شواهد الأجندة الاقتصادية للأطراف والتشكيلات المسلحة المتصارعة في ليبيا، وتقصت الدور المحتمل لهذه الأجندة في إطالة أمد الصراع في البلاد. ولقد استخدمت الورقة منهج الاقتصاد السياسي للحروب والصراعات الأهلية لدراسة الحالة الليبية وتبيان دور الأجندة الاقتصادية في الحرب الدائرة في البلاد منذ العام 2011، وقد قدمت الورقة أولا وصفًا سريعًا للتطورات التي لحقت بالقطاع الأمني الليبي بعد العام 2011.

 ولاحظت الورقة أنه بعد سقوط نظام القذافي وانهيار المؤسسات الأمنية وعجز سلطات الدولة الانتقالية عن إعادة إحياء هذه المؤسسات الأمنية وملء الفراغ الأمني الناجم عن ذلك، وعجزها عن تبني سياسات فعالة لإدماج التشكيلات المسلحة التي تكونت خلال مرحلة الصراع مع قوات القذافي – أدى هذا العجز إلى تعاظم دور هذه التشكيلات وتزايد حدة التنافس فيما بينها للاستفادة من فرص مراكمة النفوذ والمكاسب المادية التي وفرها ضعف الدولة والفراغ الأمني. ولقد تجلى هذا التنافس في مجال تنظيم وإدارة القطاع الأمني والسيطرة على المناصب الأمنية العليا، وفي مجال التعبئة والتجنيد حيث زادت التشكيلات المختلفة عدد أفرادها وأنشأت تشكيلات جديدة، كما شمل التنافس مجال الاستفادة من التمويل الحكومي المخصص للقطاع الأمني.

عرضت الورقة كذلك أنماط المكاسب الاقتصادية التي تحققها التشكيلات المسلحة من استخدام العنف أو التلويح به، ويمكن التمييز بين نوعين أساسيين من هذه الأنماط، الأول متعلق بالأموال والمخصصات التي تحصل عليها التشكيلات بشكل رسمي من خلال الميزانية العامة للدولة وميزانيات الطوارئ التي تخصص لوزارتي الدفاع والداخلية، أما النوع الثاني، فهو متعلق بالأموال والمكاسب المادية التي تحققها بشكل غير رسمي ومن خلال الانخراط في بعض الأنشطة غير القانونية والإجرامية، وهناك العديد من صور هذه الأنشطة مثل النهب، والتهريب بما في ذلك تهريب الوقود والبشر، والخطف والابتزاز وفرض الإتاوات وأموال الحماية. وقدمت الورقة بيانات وتقديرات لحجم هذه المكاسب والمنافع الضخمة.

ولضمان استمرارية هذه المكاسب عملت التشكيلات على إحباط أي جهد لإصلاح القطاع الأمني لإبقاء الدولة دائما في حالة ضعف، كما أنها دخلت في حالة من التنافس بعضها مع بعض من أجل زيادة نصيبها من المكاسب التي يوفرها اقتصاد الحرب. وفي الوقت نفسه، لجأت هذه التشكيلات إلى التعاون بعضها مع بعض للتصدي لأي تهديدات من شأنها تغيير توازن القوى السائد، ولقد أدى اتباع هذه الإستراتيجية إلى تحول في طبيعة الصراع والعنف في ليبيا من عنف سياسي هدفه إحداث تغيير شامل في النظام السياسي إلى عنف ذي أجندة اقتصادية هدفه إطالة أمد الحرب واستدامتها.

إن تبني هذه الإستراتيجية من قبل التشكيلات المسلحة له مضامين خطيرة على فرص تحقيق المصالح وإرساء دعائم السلام، كما أن إغفال الأجندة الاقتصادية للعنف في ليبيا عند تصميم جهود المصالحة وإنهاء حالة الصراع من شأنه أن يحبط هذه الجهود ويفشلها. إن أي مبادرة ناجعة لإنهاء الصراع والعنف في ليبيا يجب أن تتضمن تصورات واضحة للتصدي للأجندة الاقتصادية للصراع والعنف في ليبيا، ويجب أن تتبنى تدابير من شأنها العمل على تقويض المكاسب التي يحققها العنف للتشكيلات والأطراف المنخرطة فيه، بحيث ترفع إلى أقصى حد ممكن هذه التدابير تكلفة استخدام العنف واللجوء إليه من جهة، وتقلص من جهة أخرى إلى أدنى حد ممكن المنافع المترتبة عليه.

لا شك في أن تصميم تدابير كهذه يتطلب دراسة أعمق لاقتصاد الحرب الليبي والأجندة الاقتصادية للعنف الدائر في ليبيا.

————————-

[1] L. Cederman, and M. Vogt, “Dynamics and Logics of Civil war” Journal of Conflict Resolution, 61, no. 61 (2017): 1992-2016

[2] P. Collier, “On economic causes of civil war,” Oxford Economic Papers, 50, no. 4(1998): 563–573. And P. Collier, “Rebellion as a quasi-criminal activity,” Journal of Conflict Resolution, 44, no. 6 (2000): 839–853. P. Collier, and A. Hoeffler, “Greed and grievance in civil war,” Oxford Economic Papers, 56, no. 4 (2004): 563–595.

[3] Mats Berdal and David M. Malone, “Introduction” in Mats Berdal and David M. Malone (ed.), Greed and Grievance: Economic Agendas in Civil Wars (Ottawa: Lynne Rienner Publishers, 2000), 1-6.

[4] William. Reno, “Shadow States and the Political Economy of Civil Wars” in Mats Berdal and David M. Malone (ed.), Greed and Grievance: Economic Agendas in Civil Wars (Ottawa: Lynne Rienner Publishers, 2000), 43-68.

[5] Stephen. Ellis, The Mask of Anarchy: The Destruction of Liberia and the Religious Roots of an African Civil War (London: Hurst and Company, 2001), 145-164.

[6] Indra de Soysa, “The Resource Curse: Are Civil Wars Driven by Rapacity or Paucity” in Mats Berdal and David M. Malone (ed.), Greed and Grievance: Economic Agendas in Civil Wars (Ottawa: Lynne Rienner Publishers, 2000): 113-135.

[7] T. Gurr, “A causal model of civil strife: A comparative analysis using new indices,” American Political Science Review, 62, no. 4 (1968): 1104–1124.

[8] P. Collier, “On Economic Causes of Civil War,” Oxford Economic Papers, 50, no. 4(1998): 563–573.

[9] H. Grossman, “A General Equilibrium Model of Insurrections,” American Economic Review, 81, no. 4 (1991): 912–21. And H. Grossman, “Kleptocracy and Revolutions,” Oxford Economic Papers, 51, no. 2 (1999): 267–83.

[10] C. Tilly, The Politics of Collective Violence, (Cambridge, MA: Cambridge University Press, 2003)

[11] انظر على سبيل المثال:

  1. S. Anderson, War and Society in Europe of the Old Regime, 1618- 1789 (London: Fontana Press, 1988), 48.

[12]Mats Berdal and David Keen, “Violence and Eco- nomic Agendas in Civil Wars: Considerations for Policymakers,” Millennium 26, no. 3, (1997): 795-818

[13] انظر المرجع السابق:

Mats Berdal and David Keen (1997).

[14] David Keen, “Incentives and Disincentives for Violence” in Mats Berdal and David M. Malone (ed.), Greed and Grievance: Economic Agendas in Civil Wars (Ottawa: Lynne Rienner Publishers, 2000): 19-41.

[15] انظر على سبيل المثال:

Wolfram Lacher and Peter Cole, “Politics by Other Means: Conflicting Interests in Libya’s Security Sector,” Small Arms Survey Working Paper no. 20, 2014 (Geneva: small Arms survey)

[16] Of Tanks and Banks: Stopping a Dangerous Escalation in Libya, International Crisis Group, May (2019)

[17] Sami Zaptia. “$750 m worth of Libyan fuel is stolen: Sanalla,” Libya Herald, 19 April (2018) https://www.libyaherald.com/2018/04/20/750-m-worth-of-libyan-fuel-is-stolen-sanalla/

[18] انظر على سبيل المثال:

Jason Pack, “Kingdom of Militias: Libya’s Second War of Post-Qadhafi Succession,” Italian Institute for International Political Studies, May 31, 2019, https://www.ispionline.it/en/pubblicazione/kingdom-militias-libyas-second-war-post-qadhafi-succession-23121

[19] المرجع السابق

Print Friendly, PDF & Email