Defender Center for Human Rights

مكافحة الفساد في ليبيا: تعدد السياقات وشمولية السياسات 

24 يوليو 2021

د. جازية شعيتير – أكاديمية قانونية وناشطة حقوقية

ملخص

  •  تفترض الدراسة أن الفساد مقوض للمؤسسات الديمقراطية، ويمثل خطرًا على التنمية المستدامة وسيادة القانون؛ ويمثل تحديًا في طريق أي عملية سياسية حقيقية لإعادة بناء الدولة الليبية ومؤسساتها.
  • مقاربة الدراسة تشمل الفساد بكافة صنوفه المجرمة في الاتفاقية الدولية والتشريعات الليبية، وهي مقاربة قانونية-اجتماعية إذ تولي الدراسة اهتمامًا بالبيئة الاجتماعية التي يفرَز فيها الفساد، والتي تطبَّق فيها السياسات التشريعية المكافحة له، كما أنها مقاربة حقوقية تفترض قوة العلاقة بين الفساد وحقوق الإنسان سواء من حيث إن الفساد يشكل انتهاكًا واضحًا لحقوق الإنسان، أو من حيث تأثير تدابير مكافحة الفساد على حقوق الإنسان.
  • تذهب الدراسة إلى أن للفساد علاقة تأثير تبادلية مع البيئة المحيطة به التي يتمظهر خلالها؛ وحيث إن للبيئة المحيطة سياقات عديدة: سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية ودولية وثقافية وحقوقية، ومنها ما يتعلق بالسلطة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية؛ فلا مناص من تتبعها.
  • توصي الدراسة بألا تقتصر مكافحة الفساد على مواجهة تمظهراته بأدوات قانونية بحتة بقدر ما تلزم إصلاح الاختلالات في البيئة المحيطة به من خلال تبني سياسات عامة بغية الوصول إلى رؤية مكافحة مؤسسية ومجتمعية. وعليه فقد تناول الجزء الثاني من الدراسة عرض خطة شاملة لتدابير مكافحة الفساد بدءًا من التدابير الدستورية والقانونية مرورًا بالتدابير التنفيذية والرقابية، ولم تهمل التعاون الدولي بصدد مكافحة الفساد، كما رسمت سياسات عامة ناجعة لمكافحته/

 

 

مقدمة

1.1 محل الدراسة

محل هذه الدراسة هو الفساد المعيق لاستقرار المجتمعات والمقوض للمؤسسات الديمقراطية وللقيم الأخلاقية والذي يعرض التنمية المستدامة وسيادة القانون للخطر؛ ويشكل تحديًا في طريق أي عملية سياسية حقيقية لإعادة بناء الدولة الليبية ومؤسساتها، والخطورة الحقيقية للفساد تكمن في مستقبل الدولة الليبية، حيث إن تواصل هذا النزيف لموارد الدولة وأموالها العمومية سيؤثر حتما في مصير الأجيال القادمة.

ولعل تعريف منظمة الشفافية الدولية ومنظمة الأمم المتحدة أكثر دقة وشمولًا إذ اتفقتا على أن الفساد هو إساءة استعمال السلطة لمن اؤتمن عليها للحصول على مكاسب شخصية، وإضرارًا بالمصلحة العامة.

والفساد قد صار ظاهرة في ليبيا بشتى أشكاله (الصغيرة والكبيرة) ودوافعه (الحاجة والجشع) وحوافزه (العرض والطلب)، ويكفي للتدليل على ذلك الإحالة إلى مرتبة ليبيا المتقدمة في قوائم الدول الأكثر فسادًا في العالم حسب مؤشرات منظمة الشفافية الدولية، أو الإحالة إلى تقارير ديوان المحاسبة الليبي، ويكفي أيضًا النظر إلى أوضاعها السياسية والاقتصادية وإلى كل المرافق الخدمية لنتيقن بأن مظاهر الفساد تتجلى لكل المهتمين بالشأن الليبي.

1.2 مقاربة الدراسة

مقاربة زمنية: تقتصر على المرحلة الانتقالية للدولة الليبية خلال العقد الثاني من الألفية الثالثة؛ من 2011 إلى 2021.

مقاربة شمولية: تتناول الفساد بكافة صنوفه المجرمة في الاتفاقية الدولية والتشريعات الليبية.

مقاربة تحليلية: تنتهج تحليل تقارير ديوان المحاسبة، والتشريعات الليبية، والأحكام القضائية الليبية.

مقاربة إمبيريقة: تستخدم المنهجية الكيفية؛ بالإفادة من مجموعات التركيز، والمقابلات المعمقة التي أجرتها الباحثة في دراسة سابقة بالخصوص، إضافة إلى مسوح واستطلاعات رأي أُجريت في ليبيا خلال الفترة الزمنية الواقعة في نطاق البحث.

مقاربة قانونية-اجتماعية: تولي الدراسة اهتمامًا بالبيئة الاجتماعية التي يفرَز فيها الفساد، والتي تطبق فيها السياسات التشريعية المكافحة له.

مقاربة حقوقية: تفترض الدراسة قوة العلاقة بين الفساد وحقوق الإنسان سواء من حيث إن الفساد يشكل انتهاكًا واضحًا لحقوق الإنسان، أو من حيث تأثير تدابير مكافحة الفساد على حقوق الإنسان.

1.3 إشكاليات الدراسة وفرضياتها

إن الفهم الصحيح لظاهرة الفساد في ليبيا ومحاولة تفسيره يفترض به أن يفضي لمقترحات بسياسات تتضمن تدابير أكثر فاعلية ونجاعة في مواجهته، وتقوم هذه الدراسة على فرضيتين:

  • فرضية رئيسة مفادها أن للفساد علاقة تأثير تبادلية مع البيئة المحيطة به التي يتمظهر خلالها؛ وحيث إن للبيئة المحيطة سياقات عديدة، فلا مناص من تتبعها لرصد هذا التأثير.
  • وعليه فمن المنطقي ألا تقتصر مكافحة الفساد على مواجهة تمظهراته بأدوات قانونية بحتة بقدر ما تلزم إصلاح الاختلالات في البيئة المحيطة به من خلال تبني سياسات عامة بغية الوصول إلى رؤية مكافحة مؤسسية ومجتمعية.
  • 2- السياقات العامة للفساد

لا توجد ظاهرة الفساد في فراغ بل ضمن سياقات بعينها، نرصد في هذا الجزء من الدراسة تأثير تلك السياقات على تنامي ظاهرة الفساد، ومن ثم على حظوظ أي سياسة إصلاحية لمكافحته.

2.1 السياق السياسي

لا يخفى على أحد أن الدولة الليبية منذ 2011 في حالة انتقال من نظام استبدادي، وللأسف لم يكن انتقالا سلميًا بل توسل الصراع المسلح مما باعد بينها وبين الديمقراطية، وهذه الحالة تحديدًا تجعلها عرضة أكثر من سواها للفساد؛ حيث مؤسسات الدولة غير قادرة على فرض النظام والقانون، كما أن الطريقة التي انتهي بها الصراع المسلح في 2011 وما خلقته من بيئة هشة واعدة لعودته مجددًا، وكيفية صياغة الإعلان الدستوري المؤقت والتعديلات الكثيرة له، وأيضًا الطريقة التي انتهى بها الصراع المسلح في 2014من تقسيم للسلطات التشريعية والتنفيذية، وملابسات الاتفاق السياسي “الصخيرات” 2015 ونكرانه من الأطراف الموقعة عليه – كل ذلك من العوامل المؤثرة في الفساد، وأخيرًا هذا السلام الهش الذي فرضته خارطة الطريق على الفرقاء السياسيين المتحاربين، والذي كان نتاجًا لعملية تفاوضية لم تنجُ من ادعاءات بشبهة فساد. وبالرغم من أن حكومة الوحدة الوطنية تدعي التصدي للفساد، فإن ادعاءها ضعيف؛ حيث إن فتح ملف الفساد يعني المواجهة مع شخصيات ذات نفوذ مناطقي وأطراف سياسية، وهذا يعارض هدف الحكومة الرئيسي بالابتعاد عن الصدام مع أي طرف.

كما أن إرث الدولة الشمولية ذات الفساد طويل الأمد وإرث الفساد الذي نمى خلال فترة العشرية الأخيرة يمهد الطريق نحو المزيد من الفساد، ويتوقع أن يُحتفظ بسلوكيات وشبكات وعملاء للفساد بما يشكل تحديًا لسلطة الدولة في فترة السلم المأمولة مستقبلًا، ولعلنا نلاحظ غيابًا واضحًا للإرادة السياسية الحقيقية لمكافحة الفساد في كل مستويات الحكومات الانتقالية المتعاقبة، ولن نستطيع أن نتغافل عن الفوضى التي واجهتها الحكومات الانتقالية حتى التي خلقتها الحكومات الانتقالية نفسها فأنشئت مناخًا مناسبًا لتنامي الفساد في ليبيا، ناهيك عن أن الانقسام المؤسساتي، والصراع بين الشرعيات الموازية، وانتشار المجموعات المسلحة بالقرب من مركز إصدار القرار – تقف وراء تفشي الفساد الذي شمل كل مفاصل الدولة.

2.2 السياق الدولي

يجب الإقرار بأن الفساد في ليبيا لم تساهم فيه الأطراف الداخلية فقط حيث تدخلت أطراف خارجية لأخذ نصيبها من الثروة النفطية الليبية، حيث دخلت فرنسا الدولة الأكثر تأثيرا من القوى الغربية في دعم الحرب التي وقعت في البلاد 2011 بشرط الانتفاع بامتيازات في قطاع البترول والغاز حيث ذكرت صحيفة ليبيراسيون الفرنسية سنة 2011 أن المجلس الانتقالي وعد باريس بـ 35 بالمئة من عقود النفط، وهي عقود غير قانونية وقعت تحت الابتزاز، على حد قول الصحيفة.

كما كان التدخل القطري واضحًا في علاقته بملف النفط الليبي، حيث ذكر وزير النفط ناجي المغربي في تصريحات صحفية أن قطر عبر شركة تنتج حوالي 240 ألف برميل يوميا، مسجلة في سويسرا استولت على 19.5 في المائة من عائدات الشركة، وهو ما يُعَد انتهاكًا وتعديًّا على حقوق الشعب الليبي.

وفي 22 أكتوبر 2017، تناقلت الصحف الدولية وقائع فساد ليبية مثل: تهريب وقود ليبي بقيمة 35 مليون دولار، من مصفاة الزاوية لتكرير النفط (غرب العاصمة)، وبيعه في أسواق دول أوروبية”.

كما أن بعض الشركات متعددة الجنسيات وغيرها من الكيانات الاقتصادية المؤثرة عالميًا قد امتدت إليها عوامل الفساد ومظاهره؛ ولن نحارَ في إيجاد أمثلة تتعلق بالحالة الليبية؛ فما يثار في بلجيكا وفي كندا وما قيل بشأن ساركوزي. كل تلك الوقائع تُعد أمثلة للفساد الدولي المتعلق بليبيا.

2.3 السياق الاقتصادي

كثيرًا ما بُرر الفساد الليبي بهوية الاقتصاد الليبي “الريعي”؛ على أساس أن الدولة الريعية بيئة ملائمة لولادته ونموه؛ فاقتصاد الريع يقوم أساسًا على استغلال النفوذ والسلطة وليس على المعرفة أو المنافسة أو الجودة، ولذلك فهو يمثل الرشوة العظمى والفساد في أكبر تجلياته، لسبب بسيط هو أنه ينشر القابلية للارتشاء والوصولية وثقافة الاعتماد وعدم الإبداع والتقليد والاستكانة، واقتصاد الريع عدو خطير للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وهو يتعارض مع القانون ومع الشفافية والحوكمة الاقتصادية الجيدة، ومن ثم مع دولة القانون في مجال الاقتصاد.

وليبيا دولة ريعية؛ حيث الاعتماد على النفط موردًا وحيدًا للدولة والاعتماد على الدولة في كل القطاعات الخدمية، وصرف مرتبات وظيفية لكل الليبيين بما يشبه الحصة في العائد الاقتصادي، وغياب تنظيم قانوني للقطاع الخاص المحلي والإشراف عليه، وهروب المستثمر الأجنبي الذي كان يفترض أن ينافس حول الجودة والفاعلية؛ كل ذلك ساهم في زيادة نمو الفساد.

كما أن المصارف الليبية منذ 2013 بدون استثمار وبدون ائتمان واختفت أسواق المال، بل إن الانقسام السياسي الذي تمظهر في وجود حكومتين، زاد من سوء الوضع المصرفي حيث اقترضت الحكومة المؤقتة من المصارف بما جعلها عاجزة عن تقديم الخدمة العادية في تسييل المرتبات وهو ما سبب الأزمة المالية التي تعاني منها الدولة حاليًا إضافة لأسباب أخرى كثيرة.

يحلم الجميع في ليبيا بالسلطة ليملك المال ويصرفه؛ حيث مركزية الإيراد والخزينة وعدم وجود استقلالية مالية لأي مؤسسة ليبية منذ 1969، والموازنات العامة وهمية؛ إذ لا أساس محاسبي من الإيرادات والمصروفات؛ فكلها مصروفات.

كما أن غياب الاعتماد على الناتج المحلي من رسوم الميناء والمطارات وغياب آليات فاعلة لجباية الضرائب وغياب تنوع الاقتصاد الليبي سواء سياحة أو زراعة أو صناعة من العوامل الاقتصادية المساهمة في تفشي الفساد.

إضافة لارتباك المشرع في سن ما يبين ويعزز هوية الاقتصاد الوطني؛ فنظام التشريع القائم يفترض الهوية الاشتراكية للاقتصاد الليبي، والواقع المعيش حاليًا يبين أن الاقتصاد الليبي تحول إلى الرأسمالية بدون تنظيم قانوني وهذه الفجوة التشريعية تخلق بيئة صالحة للفساد.

2.4 السياق الثقافي

يغلب على العقل الجمعي الليبي مجموعة من الثقافات المعززة لحظوظ انتشار الفساد فهي تهيئ المجتمع لعدم استهجانه، منها مثلا: ثقافة الاتكالية وثقافة الغنيمة وثقافة الريعية حيث الاعتماد الكلي على الدولة في توزيع موارد دخل طبيعية بدون عمل حقيقي؛ وثقافة “رزق حكومة. ربي يدومه”، “هي خاربة خاربه” “جت عليا نا”، هذه مفردات من القاموس المحلي الليبي يعلل بها بعض الأفراد إقدامهم على الاختلاس والهدر والسرقة من أموال الدولة، أو معاملة ممتلكاتها بالتخريب والإهمال. وكلها ثقافات سلبية ساهمت في استمراء الفساد.

ولعل المنظومة الإدارية ذات القيم الثقافية السيئة تُعد عاملًا ثقافيًا إضافيًا ومن تلك القيم السلبية: التسويف، والاستعلاء والتجهيل، وإساءة استغلال النفوذ، والإهمال.

كما يمكن رصد غياب الثقافة الإدارية الليبية الملزمة للدولة من خلال مرافقها العامة، بتأدية خدمات المواطنين على النحو الواجب وفي وقت معقول دونما مقابل، باستثناء المفروض قانونًا من ضرائب أو رسوم.

وعلى الرغم من إعلان غالبية الليبيين (80.4%) التزامهم بالمثالية القيمية ورفضهم المطلق لقبول الرشوة مقابل أداء واجباتهم، فإن واقع الحال يوضح تعاملهم معها وإصدار فتاوى دينية تجيزها للمضطر منهم؛ مما يعزز ثقافة الاستكانة والرضوخ لهذا السلوك المشين. وهي فتوى تجيز فعلًا محظورًا قانونًا؛ مما يضيع هيبة النص القانوني في نفوس الأفراد ويُجرئهم على انتهاكه. فالنظام قانوني الليبي يجرم فعل الراشي ويعاقب عليه بالسجن ولا يعتد بكون المطلوب من الموظف حقًا لهذا الراشي إلا في باب تخفيض العقوبة إلى حد النصف (المواد 22/25 من قانون الجرائم الاقتصادية رقم 2 لسنة 1997).

2.5 السياق الاجتماعي

الفساد يعمل على تشقق البنية الاجتماعية وتآكل الطبقة الوسطى، خاصة في مجتمع يتميز بالنمط الاستهلاكي، وهذا النمط متى تضافر مع عوامل اقتصادية صعبة، كأزمة السيولة التي يعيشها المجتمع الليبي منذ 2014، فقد يسوّل لبعض النفوس انتهاج الفساد للحفاظ على مستوى معيشي اجتماعي معين، ولا سيما في غياب وصمة العار لمن يُعرف عنه أنه من المفسدين، بل إن الملاحظ على الوسط الاجتماعي الاحتفاء بالأغنياء دون الاكتراث بمصدر غناهم، لا سيما في ظل شيوع مظاهر البذخ والترف، ويشيع في الأوساط الاجتماعية حاليًا مصطلح “حي اللصوص” للدلالة على حي سكني يقطنه أغنياء من ذوي الياقات البيضاء، كما يشيع مصطلح “شارع غسل الأموال” للدلالة على شارع تجاري مليء بالمحال التجارية مشبوهة المصدر انتشرت إبان الصراع المسلح وملاكها غرباء عن السجل التجاري الرسمي، دون أن يترتب على ذلك ردة فعل اجتماعية تمثل رفضًا لهؤلاء اللصوص أو أولئك الفاسدين سواء بالامتناع عن المصاهرة أو الإحجام عن الشراء أو غير ذلك.

وعلى مستوى المعاملات الإدارية نلحظ أن القبول المجتمعي للفساد وتمظهراته ينفي صفة الانحراف الاجتماعي عن الفساد مما يُعد عاملا مهمًا لتفشي هذه الظاهرة.

ومن العوامل الاجتماعية بالغة الأهمية الولاءات الأسرية والقبلية حتى الجهوية، وهي ولاءات تأثيرها في الوسط الإداري والمؤسسي يحولها إلى قيم سلبية ويُنتِج عنها قيمًا أكثر سلبية ومنها المحسوبية والواسطة، وانتشار لثقافة التستر على الفساد متى كان الجاني من ذوي القربى أو من المقربين، حيث تتولي الحواضن الاجتماعية كالقبائل والمدن تبرير التجاوزات التي يرتكبها المسؤول الذي ينتمي إليهم، ومن ثم يطالبون بتأجيل محاسبته.

2.6 السياق الحقوقي

من المهم أن نسلط الضوء على الأثر السيئ للفساد من منظور حقوقي؛ حيث إن مجرد حصول الفرد على هذه المنفعة نتيجة لاستغلال موقعه الوظيفي، أو نتيجة لدفع الرشوة هو في المحصلة النهائية انتهاك لحقوق الآخرين في هذه المنفعة. فإذا كان ما حصل عليه الفاسد وظيفة لابنه أو لأحد أقاربه؛ فقد حرم منها شخصًا آخر قد يكون أكثر حاجة إلى هذا العمل أو أفضل تأهيلًا للقيام به. وانتهك بذلك الحق في المنافسة العادلة على الوظائف. أما إذا كان ما حصل عليه الفاسد هو ترخيصًا لتسيير حافلة ركاب، أو تغييرًا لطبيعة استخدام أرضه، أو تصريحًا لفتح محطة محروقات، أو إعفاءً من غرامة مستحقة بموجب القوانين، أو مقعدًا جامعيًا لابنه، أو بعثة دراسية لأخيه، فإنه يكون بذلك قد انتهك الحق في المساواة والمعاملة العادلة، كما أن عدم إفساح المجال أمام المواطنين للمشاركة السياسية الحقيقية وإدارة شؤونهم العامة، ودفع الرشاوي من قبل السياسيين لشراء أصوات الناخبين يُعَدّان من صور الانتهاكات الواضحة للحقوق السياسية والمدنية في كثير من الدول.

فالفساد يفضي إلى إنشاء شبكات إجرامية تعمل على نشر انتهاكات حقوق الإنسان؛ تلحق بدورها أبلغ الأذى بالفقراء والمهمشين. فعلى الرغم من أن الفساد ينتهك حقوق كل الأفراد الذين يتأثرون به عامةً، فإن هذا الأثر يتعاظم ويأخذ مكانه خاصة عندما يكون هؤلاء الأفراد من الفئات المهمشة والأكثر عرضة للانتهاك والمخاطر، مثل الأطفال والنساء والعمال المهاجرين والأشخاص ذوي الإعاقة واللاجئين والسجناء والفقراء.

ومن المعروف أن مرتكبي جرائم الفساد من المتنفذين يقومون بحماية أنفسهم من العدالة بشتى السبل، ويبذلون أقصى جهدهم للاحتفاظ بالقوة التي اكتسبوها، ولتحقيق ذلك يقوم الفاسدون بمزيد من الاضطهاد للأفراد الأكثر عرضة للانتهاك مما يضعف من قدرتهم على الدفاع عن أنفسهم من ناحية، وزيادة تهميشهم والتمييز ضدهم من ناحية ثانية.

إن ضعف هذه الفئات وقابليتهم للعطب هو ما يجعلهم ضحايا سهلة للفساد، حيث ينتهي الأمر بهم إلى دفع الرشاوي، أو ممارسة الجنس بالنسبة إلى النساء، من أجل الحصول على الحماية أو التمتع ببعض المزايا، وفي حالة العمال المهاجرين الذين ليست لديهم إقامات قانونية دفع الرشاوي من أجل عدم ترحيلهم أو من أجل تسريبهم عبر الحدود للدول المتقدمة.

ومن جهة أخرى، لا تغيب الخشية من تحول التدابير الفعالة لمكافحة الفساد إلى ممارسات لانتهاك حقوق الإنسان، ومن ثم يجب على مشرع هذه التدابير ومنفذها التوفيق بين متناقضات حساسة مثل (مثل المصلحة العامة وحقوق وحريات المتهمين؛ والحصول على المعلومات والحق في الخصوصية).

مثال تلك التدابير المتعلقة بعملية اغتيال الشخصية “فهي تستخدم لتدمير مصداقية وسمعة شخص طبيعي أو معنوي، وتستخدم فيها الإشاعات والاتهامات الكاذبة التي تتعلق بأمانته وأخلاقه، كما يستخدم فيها نصف الحقائق والروايات الملفقة وغير المثبتة، وتكال له تهم الفساد المالي والإداري كل ذلك لتصفية الخصم سياسيًا واجتماعيًا في الحياة العامة”.

أو ما كان منها متعلقًا بالقوانين الصادرة بشأن إدارة أموال بعض الأشخاص وممتلكاتهم في ليبيا وخارجها وأبناء الأشخاص “الطبيعية” منهم وأزواجهم، حيث التمادي في الاعتداء بدون حكم قضائي على أموال المشتبه بهم وممتلكاتهم (الحالين والمحتملين)، كما أن المطالبة بتجريم اغتيال الشخصية ومعاقبة كل من يقوم باتهام الشخصيات المحترمة والوطنية بالفساد قد يكون عائقا في سبيل قيام منظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام بدورها كآليات رقابة على الفساد وممارسة النقد البناء.

عمليًا يطلب من المبلغين والشهود أن يقدموا أدلة على صحة ما يدعونه وإلا اتهموا بالتشهير وإزعاج السلطات، وهذه الأدلة قد تستدعي إجراء المواجهة مع المتهم بما يناقض فكرة حماية الشهود والمبلغين التي تستدعي بقاءَهم في الخفاء بعيدًا عن علم المتهم بشخصياتهم.

كما لا يُعد من حسن السياسة الجنائية الحقوقية نصح المشرع الجنائي بالنص على حق الدولة في تتبع المال في أي يد كانت ولو انتقل لذمة غير ذمة الجاني؛ لأنها وإن كانت ناجعة في الحد من الفساد وفي التقليل من مضار المصلحة العامة، لكنها مهددة بالقضاء بعدم الدستورية؛ لأن هذه النصوص تُعد مخالفة لمبدأ شخصية العقوبة.

2.7 السياق الأمني

من المهم تأكيد أن النـزاعات المسلحة، التي تقترن بأسوأ أشكال الإفراط في استعمال السلطة، من أهم السياقات المؤثرة في الفساد؛ ففي ظل الانفلات الأمني وانتشار السلاح خارج سيطرة الدولة تتبين العلاقة الترابطية بين الفساد والعنف حيث يتوسل الفساد بالعنف المادي لممارسته، وقد أُطلق عليه مصطلح “السلوك الافتراسي”، فقد كثرت الوقائع التي تمارسها المليشيات المسلحة بشأن الفساد الاقتصادي، فعلى سبيل التدليل نستشهد بإفادة فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة المنشئ بقرار 1973 لعام 2011، في تقريره المؤقت عام سبتمبر 2018 الموجه إلى رئيسة مجلس الأمن بأن المؤسسة الليبية للاستثمار والمؤسسة الوطنية للنفط ومصرف ليبيا المركزي تعد أهدافًا للتهديدات والهجمات من المجموعات المسلحة مما أثر في أداء القطاعين النفطي والمالي في الدولة، حيث قام أعضاء بعض الجماعات المسلحة العاملة اسميًا تحت إشراف وزارة الداخلية بحكومة الوفاق غرب البلاد، باختطاف موظفين وتعذيبهم وقتلهم في مؤسسات سيادية بما فيها الوطنية للنفط والليبية للاستثمار، وقد عبر التقرير عن ذلك بمصطلح “حصة المليشيات في الاقتصاد الموازي”، ونستشهد بإفادة وزير الداخلية عاشور شوايل في حكومة زيدان أبان المؤتمر الوطني بأنه رصد وأوقف كثيرًا من مظاهر الفساد المالي تمارسه اللجنة الأمنية العليا؛ وهذا الأمر يؤكد العلاقة الوطيدة بين قطبي ثنائية الفساد والعنف.

كما أن الجماعات المسلحة التي تنظمت في شبكات إجرامية تجني فوائد كبيرة من الاتجار بالأشخاص وتهريب المهاجرين؛ الأمر الذي يؤجج عدم الاستقرار ويقوض الاقتصاد الرسمي. كما أن عمليات تصدير النفط الخام والمنتجات النفطية المكررة – غير المشروعة بما فيها المرتكبة من المؤسسات الموازية التي لم تكن تعترف بحكومة الوفاق الوطني – تُعد في حكم الفساد المنظم، وينطبق الوصف على تهريب العملات والمخدرات والآثار والمعادن الثمينة.

وفي حين تتطلب عملية محاربة الفساد آليات وأجهزة أمنية قوية لضبط وإيقاف المفسدين الذين نهبوا المال العام، تواجه ليبيا في واقع الحال إشكالية هشاشة الدولة ومؤسساتها، وكلما فكرت في تذويب المليشيات، ازداد تذويب الدولة فيها.

2.8 تأثير أداء السلطات المختلفة على الفساد

2.8.1 السلطة التشريعية

هل يمكن أن تدان السلطة التشريعية بالمساعدة على نمو الفساد في ليبيا؟ إن إلغاء قوانين سابقة بدون دراسة، واستحداث قوانين حديثة بدون فلسفة تشريعية وتباين في السياسات التشريعية للسلطات المتعاقبة بما يشبه الموجات العنيفة والمتضادة في نوع من العبث التشريعي خلق بيئة مناسبة للفساد.

ومن ذلك إصدار السلطة التشريعية قوانين وقرارات تسهل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة انتشار الفساد، أو تعرقل سبل مكافحته، ولعل من صور الفساد أن تصدر السلطة التشريعية قوانين وقرارات تقدم في صدورها المصلحة الخاصة لأعضائها على المصلحة العامة، ولا يقل خطورةً الدورُ السلبي للسلطة التشريعية في مواجهة الفساد؛ بمعنى امتناعها عن إصدار تشريعات تساعد على الحد من الفساد. فلا أدل على مساهمة السلطة التشريعية في زيادة الفساد من عجزها عن إصدار قانون خاص بمكافحة الفساد.

ولعل الفساد التشريعي صورة من صور الفساد السياسي إذ المشرع هو الخصم السياسي الذي فاز في الانتخابات، وقرر بعد أن أصبح السلطة التشريعية للبلاد أن يفصّل قوانين وتعديلات دستورية تعيق وصول خصمه للفوز بالسلطة وفقا لمبدأ الانتقال السلمي والتعددية الحزبية؛ مما يشكل عائقا حقيقيا أمام المصالحة الوطنية، ولا أدل على الفساد المقنن من قانون رقم 36 لسنة 2012 بشأن إدارة أموال وممتلكات بعض الأشخاص المعدل بالقانون رقم 47 لسنة 2012 الذي يجيز للسلطة التنفيذية التصرف في أموال أنصار النظام السابق وذويهم بدون حاجة لصدور حكم قضائي، لمجرد توافر شبهات فساد، كما ينظر الكثيرون لقانون العزل السياسي على أنه فساد سياسي مقنن.

ومن أهم صور الفساد السياسي الخطيرة تشبث الجهة القابعة في السلطة بكرسيها ومنعها الوصول السلمي بطريقة نزيهة، ولعل المشرع الليبي قد تنبه لهذا النوع من الفساد المتمثل في الانحراف عن القوانين واللوائح المنظمة للعملية الانتخابية، والبعد عن النزاهة المتطلبة لإدارتها بدون تزوير للنتائج أو ممارسة إكراه مادي ومعنوي بالترهيب أو الترغيب للعبث بالإرادة الشعبية، منذ 1985 محاولًا التصدي له بتجريمه في القانون رقم 22 لسنة 1985بشأن محاربة إساءة استعمال الوظيفة أو المهنة والانحراف بأعمال التصعيد الشعبي؛ فقد نصت المادة الثانية منه على أن (يعاقب بالحبس كل من يقوم بالتأثير على أعمال التصعيد الشعبي …)، وهو ما حرصت كل القوانين الانتخابية الصادرة في ليبيا بعد 2011 على إدراجه في باب الجرائم الانتخابية.

ولعل من المهم الإشارة إلى خلو القوانين من تجريم لسلوكيات تساعد على الفساد، فمثلًا لا يوجد حظر فعال ودقيق يمنع الموظف العام من الجمع بين الوظيفة العامة والعمل في القطاع الخاص، خاصة إذا كان العمل له صلة مباشرة بالوظيفة العمومية، كما أنه لا يوجد حظر على متقلدي المناصب الكبرى يمنعهم من مباشرة عمل خاص بعد تركهم مباشرة لمنصب مرتبط بمنصبهم السابق.

2.8.2 السلطة القضائية

لعل من مظاهر البيئة القضائية المساعدة على نمو الفساد ضعف فاعلية إنفاذ القانون، وصدور أحكام قضائية تحت قبضة مليشيات مسلحة، ناهيك عن إقصاءٍ للأكفاء ومن ثم تصدر المشهد القضائي من هم أقل كفاية، واستخدام القانون أداةٌ خطيرة في يد من لا يحسن استخدامها، وتلك عوامل مؤثرة في تفشي الفساد.

ولعل أكثر صور الفساد القضائي جسامة تتمثل في إصدار أحكام قضائية أو الامتناع عن إصدارها لأسباب سياسية، كما قد يتمثل الفساد القضائي في إساءة استخدام السلطة القضائية من قبل وكيل النيابة العامة بإجراءات القبض والتفتيش والتعذيب، وهو ما ترتب عنه قيام الضحية بمقاضاته طلبًا للتعويض والإدانة والمخاصمة.

ويمكننا رصد عديد من المحاولات القضائية للتصدي للمفسدين، ولكنها تقف عند حد أوامر الضبط والإحضار ومثالها: إصدار النائب العام الليبي حزمة من قرارات الضبط في أواخر 2020 ضد عدد كبير من المسؤولين الليبيين بتهم فساد واستغلال المال العام والتربح وغيرها، تضمنت مدير مصرف ليبيا الخارجي، ومدير قطاع الاستثمار بالمصرف، بتهمة إصدار المصرف ما يقرب من 80 مليون دولار، في استثمارات غير مدرجة، ترتب عنها ضرر جسيم بالمال العام.

كما شملت أوامر القبض وزير الحكم المحلي المفوض ومسؤولين بدرجة وكلاء وزارة في المالية والتعليم والحكم المحلي والصحة وعميد بلدية بني وليد ووكيل وزارة تعليم، ووكيل وزارة مالية ومدير إدارة الحسابات بالوزارة نفسها ووكيل شؤون الديوان بوزارة الحكم المحلي، بحكومة الوفاق برئاسة فائز السراج.

كما أصدر النائب العام قرارًا بإيقاف رئيس وأعضاء مجلس الإدارة بصندوق التأمين الصحي العام عن العمل، بسبب قيامهم بالتحايل والتدليس على الجهات الرسمية لأغراض مشبوهة وتسببهم في إلحاق الضرر بالمال العام وإيقاع الضرر بالغير.

وفي 17 أكتوبر 2020، أمر رئيس قسم التحقيقات بمكتب النائب العام “الصديق الصور” بإيقاف أي معاملات مالية للجنة المشتريات الخاصة بمجابهة فيروس كورونا التابعة لوزارة الصحة التابعة لحكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، نظرًا لوجود تجاوزات مالية طالت لجنة المشتريات الخاصة بمجابهة الجائحة.

2.8.3 السلطة التنفيذية

للسلطة التنفيذية دور في تفشي الفساد من حيث إنها المسؤول الفعلي عن تفعيل وسيلة السلطة التشريعية البالغة الأهمية في مكافحة الفساد: “التشريع”، فهي المعنية بتنفيذ القوانين التي تصدرها تلك السلطة ولا قيمة لقانون تقره السلطة التشريعية إذا لم تنفذه السلطة التنفيذية أو إذا ما نفذته بطريقة غير ناجعة أو شكلية لا تحقق مضمونه وأهدافه، ناهيك عن قبضها على صلاحيات التصرف بمعظم المال العام؛ مما يجعلها اللاعب الأساسي في وجود الفساد وفي مكافحته، فعلى سبيل المثال لا الحصر، نذكر السجال القائم بين رئيس مصلحة الأحوال المدنية و محافظ المصرف المركزي حينما أشار محافظ المركزي إلى وجود تزوير في منظومة الرقم الوطني وعدَّه سببًا لقراره بوقف صرف منحة أرباب الأسر، والمأزق القائم بين المصرف المركزي ومجلس النواب حول الشرعية والتبعية مما أثر سلبًا على احترام المركزي للتشريعات الصادرة عن النواب قانون رقم 7 لسنة 2015 بشأن تعديل قانون رقم 1 لسنة 2013 بشأن منع المعاملات الربوية مثلا.

2.9 السياقات التشريعية في مواجهة الفساد

2.9.1 تنظيم دستوري

صدر الإعلان الدستوري 2011 بدون إشارة صريحة إلى الفساد أو مكافحته، وإن لم يخل من إشارة لبعض آليات النزاهة (المادة 6 المساواة في تكافؤ الفرص/ المادة 8 تضمن الدولة تكافؤ الفرص)

أما في مشروع الدستور الصادر في 2017، فقد زادت الإشارة إلى آليات النزاهة وضوابطها، أكدت المادة 15 أن من أسس الاقتصاد الليبي الشفافية والجودة والمساءلة، المادة 16 فهي مخصصة لتأكيد مبدأ تكافؤ الفرص للمواطنين، المادة 17 تجعل من الجدارة والاستحقاق معايير لتولي الوظيفة العامة، وتذهب المادة 21 إلى أن تؤسَّس وتدار مرافق الدولة بالحوكمة الرشيدة والنزاهة،

وقد ذهب مشروع الدستور إلى أبعد من ذلك من خلال مادته 23 المعنونة بمكافحة الفساد، إذ ألزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة لمكافحة الفساد الإداري والمالي وكشف حالاته ومعالجة آثاره، كما أنها نصت على عقوبة تكميلية مفادها الحظر على من يحكم عليه في جنحة أو جناية فساد تولي الوظائف في الحالات التي يحددها القانون، ولم يغفل مشروع الدستور عن دسترة هيئة شفافية مستقلة لمكافحة الفساد في المادة 163 منه.

إلا أن مشروع 2017 لم يحتوِ على نص بعدم سقوط جرائم الفساد بالعفو أو بالتقادم، كما أنه لم يلزم الدولة بمراجعة عقود الاستثمار التي تتوافر بشأنها قرائن فساد مالي أو إداري رغم أهمية هذه المراجعة بوصفها آلية من آليات العدالة الانتقالية، وقد كانت مسودة 2016 تحتوي الحكم بالمراجعة في المادة 207 منها وقد حذف النص من المسودة الأخيرة لمشروع الدستور.

وفيما يتعلق بالاتفاقات السياسية الحاكمة الموجهة للسياسات العامة فقد لمسنا تراجعًا في اتفاق 2021 عن اتفاق 2015 فيما يتعلق بمواجهة الفساد؛ ففي حين قرر الاتفاق السياسي 2015 بأن تحرص حكومة الوفاق الوطني على تمكين الأجهزة الرقابية، مثل: ديوان المحاسبة واللجان البرلمانية من متابعة أداء الحكومة وتقويمه خلال تنفيذها لبرنامجها وانعكاسه على الميزانية المقررة من خلال تقديم التقارير الدورية ودعم آليات مكافحة الفساد وإرساء ممارسات فعالة تهدف إلى الشفافية ومكافحة الفساد (البند الأخير في الملحق الخامس المتعلق بمبادئ السياسة المالية وإدارة الأصول الوطنية) وأكد أن الإعمار يجب أن يراعي المعايير الدولية للمساءلة والشفافية ومكافحة الفساد (الرقم 9 من الأولويات الاقتصادية)، وعَدَّ من المبادئ الحاكمة الالتزامَ بمبادئ الشفافية ومكافحة الفساد في كل تعاقدات الدولة وتعاملاتها الداخلية والخارجية (بند 30 )، في حين اكتفت خارطة الطريق 2021 بأن جعلت مكافحة الفساد هدفًا من أهدافها الثانوية (الفقرة 6/2 من المادة الأولى) وتعمل السلطة التنفيذية على مكافحة الفساد والتعاون الفعال مع الأجهزة الرقابية خلال المرحلة التمهيدية للحل الشامل (الفقرة 7 من المادة 6).

2.9.2 إصدار تشريعي

ورثت الدولة الليبية في المرحلة الانتقالية ترسانة من قوانين مكافحة الفساد، وقد عملت على تأكيد سريانها والنص عليها في القوانين الصادرة بشأن الفساد بعد 2011، وقد ينظر لذلك المسلك التشريعي بعين الرضا لما فيه من إعمال لمبدأ المراكمة، بيد أن تعذر الرضا عنه يرجع إلى أن مبدأ المراكمة يتجاوز عدم إهمال التركة السابقة إلى إعمال النظر فيها وتنقيحها إذا لزم الأمر ذلك، وهو ما غفل عنه مشرع المرحلة الانتقالية على الرغم من تعدده إلى ثلاثة مجالس تشريعية متعاقبة (مجلس انتقالي/ مؤتمر وطني/ مجلس نواب).

فقد تعددت القوانين الليبية المعنية بمكافحة الفساد قبل 2011 ومنها؛ بداية بقانون العقوبات العام ثم القوانين الخاصة المكملة ومنها: قانون الجرائم الاقتصادية رقم 2 لسنة 1979، قانون إساءة استعمال الوظيفة أو المهنة رقم 22 لسنة 1985، قانون الوساطة والمحسوبية رقم 5 لسنة 1985، قانون (من أين لك هذا) رقم 3 لسنة 1985، قانون التطهير رقم 10 لسنة 1994، قانون مكافحة غسل الأموال رقم 2 لسنة 2005، قانون رقم 1 لسنة 2005 بشأن المصارف، وآخرها قانون 5 لسنة 2010 بشأن المصادقة على اتفاقية مكافحة الفساد.

وهي مجموعة تشريعية تتميز بأنها قد صدرت في حقب زمنية مختلفة، كما أن بعضها عام والآخر خاص، وكلها موضوعية من حيث الأحكام، ومن ثمة كان من حسن السياسة التشريعية أن ينظر إليها، وتضم بين طيات تشريع واحد خاص بمكافحة الفساد.

ملامح السياسة التجريمية:

تتفق جميع هذه القوانين في المعاملة الجنائية العامة من حيث اعتبار المحل القانوني للحماية الجنائية هو المصلحة العامة، وأن جرائم الفساد هي من الجرائم الإدارية المالية، التي ترتكب ضد مصالح الدولة الليبية، بل إن القضاء الليبي لم يتوانَ عن اعتبار القيام بالتصديق الضريبي على عقود شركة أجنبية بالمخالفة للقانون من قبيل الأعمال الضارة بمصالح البلاد.

وتتنوع صور السلوك الإجرامي الذي يوصف بالفساد إذ يشمل، كل مساس بالمال العام مساسًا مباشرًا أو غير مباشر، بأي وسيلة ارتكب، ويمكننا التمثيل بما جاء في اختصاصات هيئة مكافحة الفساد حيث تقضي باختصاصها في كل من:

الجرائم ضد الإدارة العامة، والجرائم المخلة بالثقة العامة، وجرائم غسل الأموال، والجرائم الاقتصادية بما فيها الرشوة، وجرائم إساءة استعمال الوظيفة أو المهنة، والمخالفات لقواعد العقود الإدارية والمناقصات والمزايدات، كما تشمل المخالفات الإدارية والمالية التي يرتكبها الموظفون العامون، وجرائم الوساطة والمحسوبية، ويلاحظ على القانون الليبي أنه قد أورد في المادة الأولى من القانون رقم 6 لسنة 1985 بشأن تجريم الوساطة والمحسوبية بوصفهما تعاريف مترادفة لسلوك واحد، وهو كل ما من شأنه التأثير في استحقاق منفعة أو خدمة تقدمها الأشخاص الاعتبارية العامة والخاصة ذات النفع العام، بقصد منعها أو تعطيلها، أو الإخلال بحق الأولوية في الحصول عليها، وهو ما أكده في المادة السادسة عشرة من قانون رقم 10 لسنة 1994 بشأن التطهير.

وعلى سبيل معايرة هذه السياسة الجنائية الليبية بصور التجريم المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، تلك الاتفاقية التي عدّت من جرائم الفساد: الرشوة حتى في مجال القطاع الخاص، والمتاجرة بالنفوذ والاختلاس والتبديد حتى في القطاع الخاص، وإساءة استغلال الموظف العمومي وظائفه أو مهام منصبه، وإثراؤه غير المشروع، وغسل العائدات الإجرامية. يتضح أن الاتفاقية توسعت في التجريم أكثر من القانون الليبي الذي لم يدخل في دائرة التجريم أفعال الموظف في القطاع الخاص في قوانينه المتعاقبة كلها، ومن هنا نناشد المشرع الليبي بتحديث سياسته الجنائية من خلال اعتماد مشروع قانون مكافحة الفساد.

إذ إن الفساد في مفهوم القانون الليبي يستلزم جانيًا موصوفًا بصفة الموظف العام، ويعرف قانون العقوبات الليبي الصادر في 1954 والنافذ إلى الوقت الحالي في الفقرة الرابعة من المادة السادسة عشرة الموظف العام بأنه “كل من أنيطت به مهمة عامة في خدمة الحكومة أو الولايات أو الهيئات العامة الأخرى سواء كان موظفا أو مستخدما دائمًا أو مؤقتًا براتب أو بدونه …..” ويضيف في المادة 229 مكرر ج “رؤساء وأعضاء الهيئات النيابية أو المحلية سواء كانوا منتخبين أم مختارين، ورؤساء وأعضاء مجالس إدارة وموظفو الشركات وما في حكمها إذا كانت الدولة تساهم في رأس مالها”، بيد أن قانون التطهير رقم 10 لسنة 1994 يوسع من دائرة الجناة بحيث تشمل “القضاة وأعضاء النيابة ومكتب الادعاء الشعبي وغيرهم من أعضاء الهيئات القضائية وكذلك المحامون ومحررو العقود والأطباء والمحكمون والخبراء والمترجمون والضباط وأفراد الشعب المسلح والشرطة وحرس الجمارك والحرس البلدي والتفتيش الزراعي وغيرهم ممن لهم صفة الضبط القضائي والعاملون بالهيئات العامة والخاصة ذات النفع العام …”.

ويجدر بنا الإشادة بقانون رقم 3 لسنة 1986 بشأن “من أين لك هذا” حيث تجريمه لفعل أي شخص يكتسب مالًا أو منفعة أو مزية مادية أو معنوية مصدرها المحاباة أو التهديد أو مخالفة القانون أو كان الكسب مجهول المصدر أو لا يتناسب مع الموارد المشروعة للشخص (المادة الأولى منه) والقانون رقم 10 لسنة 1994 بشأن “التطهير” الذي أخضع لأحكامه كل من يحمل ترخيصًا لمزاولة مهنة أو حرفة أو صناعة أو عمل سواء بمفرده أو ضمن تشاركية وكذلك من يزاول أي نشاط اقتصادي بدون ترخيص (المادة الأولى منه).

وبشأن جريمة الرشوة، المنصوص عليها في المواد (21 وما بعدها) من قانون الجرائم الاقتصادية تتفق السياسة الجنائية الليبية مع دعوة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في المادة 16 منها إلى تجريم صور السلوك المختلفة للرشوة من الموظفين العموميين والقائمين بالخدمة العامة وشملت تلك الصور الوعد بالرشوة أو عرضها أو منحها لأي من هؤلاء، سواء لصالحه أو لصالح هيئة أو شخص آخر مقابل قيامه بفعل أو الامتناع عن فعل في نطاق مهامه الرسمية، وشملت أيضًا صورة طلب الرشوة والاشتراك في أي من صورها، ولعل من المميز في تلك الاتفاقية اهتمامها بدعوة الدول إلى تجريم صور الرشوة إذا ارتكبها موظف عمومي أجنبي أو موظف مدني دولي، وهو ما يعد خطوة هامة في مجال تجريم الرشوة الدولية، وذلك في المادة 17 منها.

وللرشوة صور كثيرة عصية عن الحصر؛ فهي قد تكون بتقديم الهدايا المالية والعينية والمعنوية وقد تكون رشوة جنسية أو رشوة إدارية أو أي منفعة تحقق مصلحة شخصية. ولعلّ أكثرها خطورةً ما يسمى بالرشوة الإدارية السياسيّة: فهي إداريّة من حيث المحلّ. فالرشوة تتمثل في تلك الوظيفة التي يعين فيها المواطن غير الكفء أو غير الجدير بها أو على أقل تقدير غير المفيد فيها. وهي سياسية؛ لأنها تمنح من أجل حصول المانح على ميزة أو عطية سياسية تتمثل في تحشيد الأصوات الداعمة لموقفه السياسي، سواء كانت هذه الأصوات عائدة لأبناء عائلة المستفيد منها وقبيلته أم عائدة لأبناء منطقته ومدينته.

كما جرمت الاتفاقية فعل التبديد أو التسريب للممتلكات والأموال والأوراق المالية العامة، وذلك في المادة 17 منها. والاتفاقية تدعو إلى تجريم الرشوة والاختلاس في القطاع الخاص في المادتين 20و21 وهو ما لا نجد تبنيًا له في التشريع الليبي.

كما جرمت المادة 18 من الاتفاقية المتاجرة بالنفوذ وحددتها بوعد للموظف العمومي أو قبول الموظف العمومي بأي مزية غير مستحقة استحقاقًا مباشرًا أو غير مباشر لتحريضه على القيام باستغلال نفوذه الفعلي أو المفترض بهدف الحصول من الإدارة على مزية غير مستحقة للشخص المحرض، أما المادة 19 منها فجرمت إساءة استغلال الوظيفة وهي القيام أو عدم القيام بفعل ما أثناء الاضطلاع بالوظيفة بغية الحصول على مزية غير مستحقة لصالحه أو لصالح شخص أو كيان آخر، وهو ما قد جرمه المشرع الليبي بالفعل في نص المادة 30 من قانون الجرائم الاقتصادية.

بينما جرمت المادة 20 منها تعمد الموظف العمومي إثراء غير المشروع، بمعنى زيادة ممتلكاته زيادة كبيرة لا يستطيع تعليلها بصورة معقولة قياسًا إلى دخله المشروع، وهو ما تصدى له المشرع الجنائي الليبي في قانوني (من أين لك هذا) والتطهير.

ومن نافلة القول الإشارة إلى أن جرائم الفساد جرائم ذات نتيجة مادية، وهي الضرر الذي يصيب المصلحة العامة جراء السلوك المادي، وبالرغم من أن أغلب صور سلوكها إيجابية، فإن المشرع حظر عديدًا من صور الفساد السلبية، ولعل منها تقصير الموظف العام في حفظ المال العام أو صيانته المكلف بحفظه (المادة 15 من قانون الجرائم الاقتصادية).

ويلاحظ على المشرع الليبي توسعته لدائرة الحماية في مواجهة الفساد إذ جرم كثيرًا من السلوكيات المرتبطة بسلوك الموظف المفسد؛ كتجريمه لفعل من يعرض على الموظف العام عطية أو حتى وعدًا بعطية لاحقة، وإن لم يقبل منه ذلك (المادة 22 من قانون الجرائم الاقتصادية) بل إنه عاقب مجرد من أخذ العطية بقصد إيصالها للموظف مع علمه بأنها رشوة (المادة 26 من القانون سالف الذكر).

سن الجزاءات في مواجهة الفساد

تتعدد الجزاءات الجنائية المنصوص عليها في القوانين الليبية وصولًا لعقوبة الإعدام عن فعل التخريب العمدي للمنشآت النفطية أو إحدى ملحقاتها (المادة 4 من قانون الجرائم الاقتصادية )، بيد أن غالبية صور الفساد تواجه بالعقوبات السالبة للحرية التي تتراوح بين السجن والحبس حسب جسامة الضرر وخطورة الجاني، ولعل من المفيد أن ننبه المشرع الجنائي إلى تشكيك علماء السياسة الجنائية في نجاعة العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدى والدعوة لإيجاد بدائل مناسبة تتلافى عيوبها الكثيرة الذي يضيق المجال عن ذكرها، ومن البدائل المفيدة جدًا للجاني في بعض جرائم الفساد وللمجتمع الليبي حاليًا – عقوبة العمل للمنفعة العامة.

كما يلاحظ اعتماد المشرع الجنائي على عقوبة الغرامة العادية التي قد تصل إلى خمسين ألف (قانون المصارف رقم 5 لسنة 2005) وتبدو هذه القيمة المالية للغرامة غير متناسبة مع جسامة الضرر متى قدرت حصيلة جريمة الفساد بالمليارات، ولذلك يفضل تبني المشرع الغرامات النسبية إضافة إلى تأكيد رد المال وتعويض الدولة عن الأضرار التي لحقت بالمصلحة العامة، ونجد مثالًا على ذلك في نص المادة 9 من قانون الجرائم الاقتصادية (غرامة ألف دينار ولا تزيد على قيمة الضرر وبالتعويض عن الأضرار الناجمة بالمال العام أو المصلحة العامة)، كما نصت على ذلك المادة 35 من القانون سالف الذكر( يحكم على الجاني … بغرامة تعادل ضعف ما هرب أو اختلس أو طلب أو قبل أو وعد به أو عرض عليه أو حصل عليه أو استولى عليه أو أرغم غيره على إعطائه، ومصادرة أو رد المبالغ التي حصل عليها بسبب ارتكابه الجرائم المبينة في المواد المشار إليها في هذه المادة) وقد وردت العقوبة التكميلية برد الأموال في أكثر القوانين التي تجرم صور الفساد ومنها: قانون رقم 3 لسنة 1985 من أين لك هذا، فقد أوجبت المادة السادسة منه رد الأموال للخزانة العامة، وقانون رقم 10 لسنة 1994 بشأن التطهير، فقد نصت المادة الخامسة عشرة منه على وجوب قضاء المحكمة برد الزيادة في الأموال التي يثبت أنها كسب غير مشروع وتصبح حقًا للخزانة العامة.

وحرص المشرع الليبي على ذكر عديد العقوبات التبعية ومنها: الحرمان من الحقوق المدنية ( المادة 36 من قانون الجرائم الاقتصادية/ المادة 1 من قانون 22 لسنة 1985 بشأن محاربة إساءة استعمال الوظيفة أو المهنة والانحراف بأعمال التصعيد الشعبي/ المادة 24 من قانون 10 لسنة 1994 بشان التطهير)، نشر الحكم على نفقة المحكوم عليه (المادة 25 من قانون التطهير 10 لسنة 1994)، عدم الصلاحية للشهادة أمام القضاء وعدم الصلاحية لتولي شؤون الوصاية والقوامة وعدم الصلاحية لتولي أي وظيفة أو البقاء فيها وعدم منحه لشهادة حسن سيرة وسلوك (المادة 24 من قانون رقم 10 لسنة 1994 بشأن التطهير).

ولم يغفل عن سن عديد الجزاءات الاحترازية: المصادرة في بعض الحالات المشروطة، التجميد والحجز والتحفظ، قفل المصرف المركزي لحساب المصرف المخالف، سحب الترخيص وغلق المنشأة بالنسبة إلى الأشخاص الاعتبارية. ومن بين التدابير اللافتة في القانون الليبي؛ أن يترتب على صدور حكم نهائي بالإدانة وضع من تمت الوساطة أو المحسوبية لمصلحته في آخر قائمة المستحقين كما يحكم باسترجاع ما حصل عليه من منافع أو خدمات بسببها (المادة 25 من قانون رقم 10 لسنة 1994 بشأن التطهير).

ومن بين التدابير الاحترازية الخطيرة في مواجهة الفساد المالي والإداري والسياسي ما قرره المجلس الانتقالي في قانون رقم 36 لسنة 2012 بشأن إدارة أموال بعض الأشخاص وممتلكاتهم في ليبيا وخارجها وأبناء الأشخاص “الطبيعية” منهم وأزواجهم، الذي أدرج جداول بأسماء هؤلاء الأشخاص وتلك الأموال، مع تفويضه السلطةَ التنفيذية ممثلة في مجلس الوزراء بإضافة أشخاص أو أموال لم تشملهم تلك الجداول. وبالرغم من الطعن في هذا الحكم بعدم الدستورية لتعارض ما يحتويه من أحكام مع حقوق ومبادئ دستورية أصيلة، فإن الدائرة الدستورية في المحكمة العليا رأت غير ذلك، وهو ما أظنها قد جانبت فيه الصواب؛ فالقانون قد تمادى في الاعتداء بدون حكم قضائي على أموال المشتبه بهم وممتلكاتهم (الحالين والمحتملين) إلى درجة إجازته للحارس العام أن يبيعها بإذن من وزير العدل ( المادة الرابعة منه)، ولذلك لا يُعد من حسن السياسة الجنائية نص القوانين الجنائية على حق الدولة في تتبع المال في أي يد كانت ولو انتقل لذمة غير ذمة الجاني؛ لأنها وإن كانت ناجعة في الحد من الفساد وفي التقليل من مضار المصلحة العامة، ولكنها مهددة بالقضاء بعدم الدستورية؛ لأن هذه النصوص تُعد مخالفة لمبدأ شخصية العقوبة.

ومن الملاحظ أن المشرع قد تبنى سياسة جنائية رشيدة مفادها تبنيه لفكرة العفو من العقاب إذا قام الجاني بالإبلاغ عن جريمة غسل الأموال قبل اكتشافها من الجهات المختصة (المادة 5 من قانون 2 لسنة 2005 بشأن غسل الأموال)، ولعل في تعميم هذه السياسة على صور جرائم الفساد الأخرى فيه من الفوائد الاقتصادية الكثير بما يحقق المصلحة العامة للدولة الليبية محل الحماية الجنائية، قبل اكتشافها من الجهات المختصة.

تعامل الجهات القضائية مع الصور الإجرامية للفساد محفوف بالمصاعب؛ وذلك يرجع لعوامل كثيرة لعل أهمها ما تتميز به جرائم الفساد من خصائص تتعلق بجانيها وبضحيتها وبظروف ارتكابها ؛ فالجاني في جرائم الفساد موظف عمومي يرتكبها مستفيدًا من سلطاته الفعلية وامتيازاته القانونية بما يمكنه من توفير غطاء لجريمته، فهي من جرائم ذوي الياقات البيضاء المتمتعين بميزات الجاني القوي في مواجهة جهات الرقابة والتحري، لا سيما مع وجود الكم الهائل من الحصانات التي تعيق حرية النيابة في رفع الدعوى أمام القضاء، والتي يحرص القطاع الواسع من موظفي الدولة على الدفع بها في مواجهة أي إجراء يراد به كشف وقائع الفساد ويساعدهم على ذلك التناقض بين قواعد القانون الجنائي المجرمة لصور الفساد فيما يتعلق بقيود الأذن والطلب والشكوى؛ فحين يستلزمها البعض (المادة 10 من قانون الجرائم الاقتصادية) يرفعها عن النيابة العامة البعض الآخر(المادة السابعة من قانون 23 لسنة 1985 من أين لك هذا/ المادة الثامنة عشرة من قانون 10 لسنة 1994 التطهير).

كما أن جرائم الفساد ضحيتها ليس شخصًا طبيعيًا؛ فهي تقع في الغالب على شخص اعتباري “الدولة ومرافقها وأموالها”؛ مما يضعف أحيانًا من الحافز الفردي على الملاحقة لغياب الأذى المباشر الناشئ عن الجريمة ويلقي بالعبء كله على جهات الرقابة والتحري.

مما يميز جرائم الفساد أيضًا أنها جرائم مخبوءة عصية علي الكشف والضبط، ولعل أغلب حالاتها ترتكب في الكتمان وتنتمي لجرائم الرقم الأسود الذي لا يظهر في الإحصائيات، وبشأن إثباتها سنجد معضلة حقيقية وهي مشكلة عدم إفشاء سر المهنة؛ إذ إنّ مقدم البلاغ غالبًا ما يكون موظفا عامًا في إحدى المؤسسات التي يمارس داخلها الفساد، وبفرض أن كان مقدم البلاغ مواطنًا عاديًا، فالوضع لا يقل خطورة مما يجعل الكثير يحجم عن القيام بالإبلاغ بذلك لكثير من الصعاب التي تحيط بهذا الإجراء، لعل أهمها تحوله إلى متهم في جريمة البلاغ الكاذب أو جريمة التشهير ما لم يُقِم الدليل على صحة ما أسنده أو شهر به في مواجهة من يدعي فساده (المادة 440 من قانون العقوبات) ولعلها الحالة الوحيدة التي ينتقل فيها عبء الإثبات من عاتق النيابة إلى عاتق المتهم .ومن الظلم أن يطلب من المواطن مستندات ووثائق تثبت فساد بعض الأشخاص النافذين في الدولة خاصةً.

وفيما يتعلق بالآليات الإجرائية لمكافحة الفساد يثار تساؤل حول مسألتين تتسمانِ بالفاعلية في مواجهة الفساد الأولى محلية تتعلق بكفاية الأجهزة الرقابية الكاشفة عن الفساد والثانية دولية تتعلق بسبل مواجهة الفساد العابر للنطاق الإقليمي للإجراءات الجنائية الليبية.

  1. مدى كفاية الأجهزة الرقابية المحلية 

تتعدد الجهات الرقابية المعنية بمكافحة الفساد ومن بينها:

  • مركز الرقابة على الأدوية والأغذية، ومصلحة الضرائب، ومصلحة الجمارك الليبية، وهيئة الرقابة الإدارية المنظمة بقانون 20 لسنة 2013.
  • وحدة المعلومات المالية بإدارة الرقابة على المصارف والنقد التابعة للمصرف المركزي ووحداتها الفرعية التابعة لها بالمصارف العاملة في الدولة والمنشأة بموجب القرار رقم 40 لسنة 2002، تتولَّى رصد ومُتابعة كافَّة العمليات والصفقات التي يُجريها المصرف أو المُؤسَّسة المالية، أو المُتعاملون مع المصرف أو المُؤسَّسة المالية، والتي يُشتبه في علاقتها بصفقات غير مشروعة أو عمليات غسل أموال، أو العمليات المُتعلِّقة بإيداع أموال مجهولة المصدر أو تحويلها كما تتولَّى هذه الوحدات الفرعية الإبلاغ عن المعلومات أو البيانات التي تتَّصل بهذه العمليات إلى وحدة المعلومات الماليـة بمصـرف ليبيا المركزي. كما تعد اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والمنشأة بموجب المادة 13 من القانون رقم 2 لسنة 2005 بشأن مكافحة غسل الأموال أداة رقابية.
  • ديوان المحاسبة المعاد تنظيمه بالقانون رقم 19 لسنة 2013 والمعدل بالقانون رقم 24 لسنة 2013، ولعل من المهم أن نذكر بأن القانون في المادة الثالثة منه، لا يمنح ديوان المحاسبة سلطة الرقابة على القطاع الخاص إلا إذا كانت الدولة تساهم في رأس مال الشركة بنسبة 25% على الأقل أو أن تكون الشركة قد أخذت قرضًا من الدولة واشترط في عقد القرض إخضاعها لديوان المحاسبة، كما أن القانون لا يجيز لديوان المحاسبة الرقابة على مجلس النواب، وذلك حسب بيان رسمي للديوان مدينة البيضاء بتاريخ : 17 أكتوبر 2018، بل إنه يسلب منه كل اختصاصات التحقيق، فنص القانون يلزمه في المادة 27 منه بإحالة الواقعة للرقابة الإدارية أو النيابة العامة، إذا ما تبين مخالفة إدارية أو جنائية، وقد حدث ذلك حيث بلغ إجمالي ما أحيل لهيئة الرقابة الإدارية (239) قضية، في حين بلغ إجمالي ما أحيل للنيابة العامة (42) قضية وهناك عدد (25) قضية قيد الإحالة لسلطات التحقيق.

ولعل ما يجدر التنويه به في قانون رقم (11) لسنة 2014 بإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد هو نصه في المادة 26 منه على عدم تساقط جرائم الفساد بالتقادم، ونصه في المادة 22 منه على حماية الشهود والخبراء والمبلغين عن جرائم الفساد، ومنحه موظفي الهيئة صفة مأموري الضبط القضائي في المادة 5 منه وتأكيد صلاحياتهم بالاطلاع على الدفاتر المشتبه به، كما لهم الحصول على المعلومات والاستعانة بالخبراء، ولهم حق الاطلاع على كافة المستندات حتى لو كانت سرية، ولهم حق استدعاء من يرون لزومًا لسماع أقواله.

  • هيئة مكافحة الفساد، المنصوص عليها في قانون 63 لسنة 2012 ألغي بقانون 11 لسنة 2014 المنشئ للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وقد أوقفت عن العمل بموجب قرار رقم (119) لسنة 2017 بشأن إيقاف بعض الموظفين بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، عن العمل، احتياطيًا لمصلحة التحقيق.

ولعل من المؤسف القول بأن هيئات مكافحة الفساد منذ إنشائها في 2012 قد صرفت لها ميزانيات كثيرة، وقد اتهم الكثير منها بالفساد، ولم تتمكن من تحقيق أي إنجاز مفيد في أي ميدان من ميادين مكافحة الفساد؛ حيث اتهمت الهيئة الأولى بالفساد الذي شاب إجراءات تشكيلها، فقد شكلت بالمخالفة للقانون وبدون أداء القسم الدستوري أمام السلطة التشريعية، وكذلك بتعيين موظفين بقرارات باطلة ومخالفة للقانون وصرف الميزانية المعتمدة التي تقدر بخمسة وأربعين مليون دينار، وتبديدها بدون وجه حق، وقد أمر القائم بأعمال النائب العام بتجميد حساب الهيئة لحين معالجة الموضوع تشريعيا حفاظا علي المال العام ، أما التشكيل الجديد للهيئة فهو أيضًا لم يسلم من شبهة الفساد، فقد شكلت عن طريق رئيس مجلس النواب الليبي بإصداره قرارا فرديا رقم (65) لسنة 2014 بإعادة تسمية رئيس هيئة مكافحة الفساد وأعضائها المنشأة بقانون رقم (63) لسنة 2012 ـ الملغى بحكم القانون رقم 11 لسنة 2014 بإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ـ مما دعا جمعية الشفافية الليبية (منظمة مدنية تأسست في 2011) إلى الطعن في القرار أمام القضاء الإداري بدعوى مقيدة بالسجل العام تحت رقم (217/2015)، وحكمت المحكمة يوم الاثنين الموافق 24 إبريل لعام 2017 ببطلان وإلغاء قرار رئيس مجلس النواب الليبي رقم 65 لسنة 2014 بشأن تسمية رئيس هيئة مكافحة الفساد وأعضائها، في حين اتهمت التشكيلة الأخيرة للهيئة بأنها تستند إلى قرار من رئيس حكومة الوفاق وهو قرار منعدم لصدوره من غير ذي صفة فقرارها لم يصدر عن السلطة التشريعية في البلاد (مجلس النواب، المؤتمر الوطني) وهذا مخالف للقانون رقم 11 لسنة 2014 بإنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، مما دعا جمعية الشفافية الليبية للتصدي مرة أخرى والتوجه للقضاء، وبناء على ذلك أصدرت إدارة القانون في طرابلس فتوى تؤكد فيها شغور منصب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد منذ صدور القانون رقم 11 لسنة 2014 واختصاص السلطة التشريعية وحدها بالتعيين وبأن السيد نعمان محفوظ الشيخ “رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد مغتصبٌ للسلطة،.وبذلك يستبين وأد هذا الكيان الذي كان من المأمول تصديه للفساد الليبي.

ومما يعرقل المواجهة الفاعلة إجرائيًا انعدام التعاون بين الجهات المعنية، فعلى سبيل المثال يؤكد رئيس وحدة المعلومات المالية في مصرف ليبيا المركزي بأن عملهم يذهب هباء منثورًا؛ لأنهم يكتبون مجرد تقارير لا فاعلية لها وهذه التقارير ليست أدلة؛ لأنهم ليسوا مأموري ضبط قضائي، فهذه التقارير تحال إلى النائب العام، على أساس أن الوحدة غرضها مساعدة الجهات القضائية، ولكن ما يحدث في الواقع أن القوانين المختصة نصت على التصالح، وحين يعرض التصالح على النائب العام يأمر بألا وجه لإقامة الدعوى.

ومن هنا قد نقترح على المشرع ضم كل هذه الجهات الرقابية في جهة رقابية واحدة أو على الأقل تكون هناك جهة رقابية مركزية تتبعها كل الجهات الرقابية النوعية، فمركزية الرقابة تضمن مركزية الخطط ومركزية المعلومات ووحدة الإجراءات، مما يساعد على مكافحة الفساد

وفيما يتعلق بجهات التحقيق والمحاكمة، فقد اتخذ المشرع الليبي سياستين مختلفتين؛ فتارة جعل مكتب الادعاء الشعبي مختصًا دون غيره بالتحقيق والتصرف في بعض جرائم الفساد، ومحكمة الشعب تختص دون غيرها بالفصل في الدعاوى الناشئة عن بعض جرائم الفساد، وذلك وفقًا لما يقرره قانون التطهير (المواد 28 و29 منه) وتارة أخرى أوكل الاختصاص للنيابة العامة والقضاء العادي، كما في القوانين الأخرى مثل قانون العقوبات وقانون الجرائم الاقتصادية، وقد أعاق ذلك تراكم الخبرات القضائي في مجال مكافحة الفساد.

ولعل من الملاحظ أن النيابة العامة والقضاء العادي ليستا بالكفاءة والكفاية اللازمة سواء من حيث قلة الخبرة المالية والاقتصادية أو من حيث التراكم القضائي، ولذلك قد يكون من الجيد أن تطرح المسألة للمشاركة المجتمعية وللمختصين من القانونيين والحقوقيين لمناقشة مدى جدوى ونجاعة إيجاد نيابة مختصة (نيابة جرائم الفساد أو نيابة جرائم الأموال العامة) وقضاء متخصص (دوائر للبث في قضايا الفساد في محاكم الاستئناف).

2.9.3 قرارات ولوائح

على الرغم من أن المال الفاسد ألقى بظلاله على ولادة الحكومة بمزاعم عن عمليات عرض “رشاوي” وتلقيها أو رفضها بين أروقة الحوار السياسي؛ فإن حكومة الوحدة الوطنية الجديدة استهلت عملها، بقرارات متلاحقة عدَّها خبراء اقتصاد ضرورية لملاحقة الفساد ووقف إهدار المال العام ضمن إجراءات لإصلاح الاقتصاد.

منها قرار نص على إيقاف حسابات الشركات العامة والصناديق الاستثمارية. وصرحت رئاسة الحكومة بأن هذا القرار قد جاء “حرصًا من حكومة الوحدة الوطنية على الحفاظ على المال العام ومن أجل تلافي أية شبهات للفساد والتصرف في أموال الدولة بدون وجه حق”.

ومنها قرار حل اللجنة العليا لمجابهة وباء كورونا، التي جرى تشكيلها من المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق السابقة، وتشكيل لجنة جديدة.

3- شمولية السياسات

3.1 السياسات التشريعية لمواجهة الفساد

3.1.1 السياسات الدستورية

يلزم الدولة الليبية أن تعتنق النظام الديمقراطي وآلياته كافة؛ لأن الاستبداد سبب للفساد والمؤشرات العالمية تؤكد أن نسبة الديمقراطية وأدواتها تقلل من الفساد، كما يلزم تبني التوجه الاقتصادي الحر القائم على تنوع الاقتصاد والشراكة الحقيقية الفاعلة بين القطاع الخاص والعام. ومن الجيد اعتماد التوجه القائم في مشروع الدستور 2017 فيما يتعلق بمكافحة الفساد، كما يجدر تضمين الدستور حظرا على المشرع الليبي عن منح الحصانات التشريعية بأنواعها: الطلب والإذن وغيرهما مما يعد قيودًا على حرية النيابة العامة في تحريك الدعوى الجنائية عن جرائم الفساد، سواء ارتكبت من موظفي الخدمة العامة المعينين أو المنتخبين من كبار المسؤولين ومن بينهم رئيس السلطة التنفيذية وأعضاء الحكومة والمجالس التشريعية وأعضاء السلطة القضائية.

كما يجب ألا يغيب عن المشرع الدستوري أن بعض القواعد الدستورية تؤكد ريعية الدولة وترسخ للمركزية الإدارية، بل إن بعضها يرسخ ثقافة حق المواطن في العمل بما يؤسس لبيئة ملائمة لصور من الفساد قد لا تكفي في مواجهته تلك القواعد الدستورية المعلنة عن مكافحته وتبني النزاهة والشفافية والتنافسية والرقابة وغير ذلك.

3.1.2 السياسات القانونية

يلزم الدولة الليبية أن تفي بالتزاماتها المترتبة على مصادقتها على اتفاقية مكافحة الفساد بالقانون رقم (10) لسنة 2005 بشأن التصديق على المعاهدات والاتفاقيات والبروتوكولات الدولية المبرمة بين الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى والدول الأخرى وفي نطاق المنظمات الإقليمية والدولية وتدخل تعديلات جوهرية على منظومتها التشريعية بالخصوص.

يلزم المشرع الليبي تعديلًا يقضي بمد سريان القانون الجنائي الليبي على جرائم الرشوة الدولية التي تقع من الموظفين العموميين الأجانب أو موظفي المؤسسات الدولية إضرارًا بمصالح ليبيا أو بمصالح أحد المواطنين الليبيين، ومد الولاية القضائية الليبية لملاحقة مرتكبي هذه الجرائم عند وقوعها في الخارج، يلزم النص صراحة على تجريم رشوة الشخص الاعتباري، يلزم النص على سريان نص تجريم الرشوة على أفعال التابعين للقطاع الخاص.

ومن الجيد التوسع في العقوبات المالية دون العقوبات السالبة للحرية؛ لأنها أنجع من حيث معاملتها للجاني بعكس المقصود من الجريمة، إلا وهو إثراء الذمة المالية له عقوبة الرشوة، ويجب أن تكون غرامة نسبية مثلًا 30% من قيمة الرشوة، ومن جهة أخرى نرى في الجزاءات التبعية خاصة نشر الحكم وسيلة رادعة للجاني ولغيره ممن تسول له نفسه الاعتداء على الأموال العامة للدولة.

ويلزم التدخل التشريعي السريع لحظر كل تلك الصور الخارجة عن دائرة التجريم، ومنها تجريم تعارض المصالح، وتجريم التلاعب بالدعم الحكومي الذي يحصل عليه البعض لتقديم سلع أو خدمات، ويستحوذون من خلاله على أموال الدولة، ومن أمثلة ذلك: الاعتمادات والسلع والوقود وغيرها.

وضم شتات كل النصوص المتعلقة بصور جرائم الفساد الواردة في قوانين متفرقة في تشريع عام تحت مسمى “قانون مكافحة الفساد”.

ومن التدابير الردعية أن يعلم الجاني أن جريمته لن تسقط بالتقادم أو العفو، ولذلك نشيد بموقف قانون العفو 6 لسنة 2015 الصادر عن مجلس النواب حيث استثنى جرائم الفساد من العفو العام.

ومن الأهمية أن يعامل ملف الفساد بوصفه أحد الانتهاكات الحقوقية التي تندرج تحت إطار العدل- الانتقالي ولذلك نؤكد أن قانون العدالة الانتقالية رقم 29 لسنة 2013 حين نص على ركيزة الإصلاح المؤسسي كان يجدر به الإشارة إلى مكافحة الفساد؛ لأن محاربة الفساد آلية من آليات العدالة الانتقالية، ويدعم هذا المطلب التشريعي إجماع الليبيين على ضرورة إبعاد من تثبت مساهمته في فساد سياسي أو مالي أو إداري.

يلزم اعتماد مبدأ الشفافية في جهات العمل ومؤسسات الدولة، وهنا يجب التركيز على وجوب إصدار قانون يضمن حق الحصول على المعلومة ليترجم الوعي الدستوري المعبر عنه في مشروع الدستور الليبي 2017 حيث نص في المادة 46 منه على أن تضع الدولة التدابير اللازمة للشفافية وتضمن تلقي المعلومات ونقلها وتبادلها والاطلاع عليها، ومن الجدير أن نذكر بأن الشفافية تنصرف فيما يتعلق بالتشريعات لوضوحها وموضوعيتها واستقرارها ومرونتها وتطورها تبعًا لتغيرات الظروف المحيطة بها السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو الثقافية أو التكنولوجية.

كما ندعو المشرع الجنائي إلى تضمين نصوصه العقابية نص يجرم اغتيال الشخصية، ويلزم المشرع الليبي إيجاد نظام لحماية الشهود والمبلغين عن الفساد، كما يلزمه تجريم الاعتداء عليهم ومواجهته بجزاء حقيق بجناية جسيمة سواء الاعتداء عليهم بأي وسيلة بما فيها التهديد والترهيب، والإعفاء من العقاب لمن تورط في الفساد ثم بلغ عنه، وكذلك توفير مكافآت لبعض الشهود.

ومن جهة أخرى يُفترض أن يكون العمل في مسارين متكاملين متلازمين: المعاملة الجزائية للفساد علاجية ووقائية؛ وذلك بوصفه وسيلة لمنع العنف الإرهابي ولمنع استمرار الانقسام المؤسسي. والبرنامج الإصلاحي لمؤسسات الدولة بعد توحيدها والقضاء على العنف وعلى مظاهر التسلح خارج إطار المؤسسة العسكرية يُعد عاملًا حاسمًا في القضاء على الفساد.

على المشرع الجنائي إجراء مفاضلة عملية فيما يتعلق بتدابير مواجهة الفساد بين اتخاذ جزاءات لعدم إفلات الجناة من العقاب تحقيقًا للردع الخاص والعام ولكنها مهدرة لفوائد مالية واقتصادية للدولة الليبية في مقابل الإجراء الجنائي العملي المفيد المتمثل في التصالح مع الجاني مقابل رد الأموال المنهوبة.

3.2 السياسات التنفيذية لمواجهة الفساد

بالإمكان تصور حزمة من السياسات التنفيذية المساعدة على مكافحة الفساد، مناطها إرادة سياسية تضع رؤية واستراتيجية بشأن مكافحة الفساد. ومن صورها؛

  • توحيد مؤسسات الدولة الليبية لا سيما السيادية والمالية
  • العمل على الإصلاح المالي داخل المؤسسات المالية والشركات يكون من خلال تفعيل دور الجمعيات العمومية ومجالس الإدارة والجهات والمكاتب الرقابية
  • تحسين السياسات الإدارية وتحديث الجهاز الإداري وزيادة دخول الموظفين، وتحقيق العدالة الاجتماعية
  • إعمال معايير الجودة وتقويم الأداء في مؤسسات الدولة
  • نشر الدولة التحويلات التي تقدمها الدولة والاعتمادات وإيرادات النفط من خلال المؤسسة الوطنية للنفط ونشر كل المعاملات التعاقدية الاستثمارية بشأن الإعمار والتعمير التابعة للدولة ولكل المنظمات التي تعمل لدعم مؤسسات الدولة “البلديات، الجامعات.. الخ”،
  • إصلاح الجمارك وتحسين نظام الضرائب ومنح التقدير الشخصي لجابي الضرائب ومحاولة تبسيط إجراءاتها، وضبط التعاقدات والإفصاح عن الممتلكات.

وكل ما سبق من سياسات يجب أن يسري حتى على القطاع الخاص، ولعل رفع الدعم عن المحروقات والسلع الأساسية واستبدال دعم نقدي به لمن يستحقه سيمثل سياسة فعالة في الحد من صور كثيرة للفساد.

وعلى المستوى الإداري لا بد من:

  • دراسة اللوائح والأنظمة والقرارات لإدخال التعديلات المناسبة عليها
  • تصميم الإجراءات الإدارية المبسطة والمنجزة لمعاملات المواطنين
  • إدخال الميكنة وصولًا للإدارات الإلكترونية
  • تعزيز النزاهة والأمانة والمسؤولية بين الموظفين العموميين
  • احترام الملاك الوظيفي في المؤسسات الإدارية
  • العمل على تطبيق مدونات أو معايير سلوكية من أجل الأداء الصحيح والمشرف والسليم للوظائف العمومية، ولها أن تسترشد في ذلك بالمدونة الدولية لقواعد سلوك الموظفين العموميين المعتمدة منذ 1996
  • فرض الرقابة على كبار الموظفين والوزراء والبرلمانيين ومطالبتهم بتقارير دورية عن ممتلكاتهم وما تحت أيديهم من عُهد
  • تفعيل الأجهزة الرقابية الداخلية (مراجع “مراقب” داخلي) والخارجية (مفتش) على المؤسسات الإدارية والمالية
  • دراسة رواتب العاملين وأجورهم بالدولة وإجراء تعديلات لازمة على درجات الرواتب بما يتناسب مع مستويات المعيشة وظروف السوق من أجل تحقيق الحياة الكريمة للموظفين.
  • الجزاء الإيجابي من خلال الثواب والمكافأة للموظف النزيه تدعيمًا لفكرة التشجيع على النزاهة على المستوى الفردي والجمعي. وهذا الجزاء قد يكون على شكل حوافز أو باختياره الموظف المثالي في مسابقة دورية
  • وضع قيود على الهدايا وغيرها من المزايا.
  • تنظيم دورات تأهيلية للموظفين في كافة الجهات للتعريف بأهمية الشفافية وماهيتها والعمل على تطبيقها لتصبح أحد المبادئ الأساسية لنجاح العمل الإداري في مختلف المجالات تعزيزا للنزاهة.
  • التأكيد الدولي على اشتراط الشفافية والخضوع للمساءلة لتقديم أي خطط استراتيجية للدعم أو الشراكة مع الدولة الليبية يعزز سعي الدولة الليبية لتطبيقها.

3.3 السياسات الرقابية لمواجهة الفساد

لضمان تحقيق الضوابط المفروضة على السلطة السياسية يلزم إعادة هيكلة وتفعيل المؤسسات الرقابية والقضائية، كما يجب ضمان استقلاليتها وحرية قراراها من أنواع الإكراه المادي والمعنوي، مع ضرورة تطبيق الأحكام الإجرائية والموضوعية الخاصة بمكافحة غسل الأموال، ولعل في التركيز على كل من: هيئة مكافحة الفساد، والرقابة الإدارية، ديوان المحاسبة، لجان متابعة الهيئات الرقابية في المؤسسة التشريعية؛ من حيث الكادر البشري في هذه المؤسسات، بتأهيل الموجودين والحرص على اختيار الموظفين ذوي المؤهلات وذوي الكفاية العالية والأخلاق الكريمة، ومن الجيد أن تكون رواتبهم وحوافزهم مميزة سدا لذريعة الحاجة التي قد تفتح باب الارتشاء بصوره كافة. ومن المهم تأكيد ضرورة أن تُوضع لوائح مالية أو إدارية تنظيمية لهيئة مكافحة الفساد.

خلق آليات وتطويرها للإبلاغ عن الفساد ومنها خطوط ساخنة محمية لتلقي البلاغات بدون السؤال عن هوية المبلغ، على أن يعلن عنها بصورة واضحة للجمهور في وسائل الإعلام المختلفة.

تفعيل دور منظمات المجتمع المدني وتمكينها من القيام بواجباتها انطلاقًا من شراكة حقيقية وفاعلة مع الجهات الحكومية، بحيث تتاح لها كافة المعلومات التي تعينها على النهوض بمسؤولياتها تحقيقًا للمصلحة العامة إدراكًا من الدولة لأهمية دورها الحيوي في ترسيخ مبدأ الشفافية من خلال ممارستها لمهامها الرقابية السابقة أو اللاحقة، وإشراكها في رسم السياسات وتنفيذ الخطط ووضع البرامج والفعاليات الرامية إلى مكافحة الفساد وتحقيق الإصلاحات المالية والإدارية، وتدريبها على رصد حالات الفساد وكيفية التصدي المدني له. ولعل من العملي أن يُسمح لمؤسسات المجتمع المدني بأن تقدم شكوى وتكون صاحبة مصلحة في التبليغ عن الفساد تفعيلا لدورها في المتابعة بل يمكنها أن تتابع إجراءات وتدابير استرداد الأموال والعائدات الناجمة عن جرائم الفساد، ومن جهة أخرى يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تضطلع بدور مهم في نشر هذه الثقافة بين أوساط المجتمع اضطلاعًا فعالًا من خلال تصميم برامج خاصة لتوضيح مضامين الفساد؛ مظاهره ومخاطره وآثاره وكيفية الوقاية منه ومكافحته، كما يمكنها تصميم برامج خاصة لآليات تلقي التقارير والبلاغات والشكاوى المتعلقة بجرائم الفساد.

3.4 سياسات التعاون الدولي

من المبادرات الدولية التي تعين الدول على مكافحة الفساد: الاعتراف بحجية الأحكام والأوامر القضائية الصادرة من دول بينها اتفاقية تعاون قضائي أو وفقًا لقواعد المعاملة بالمثل، النص القانوني على التبادل الدولي للمعلومات بشأن جرائم الفساد، وتضمين المنظومة القانونية ما يسهل المساعدة القضائية بأنواعها المختلفة. ولعل أهمها الإنابة القضائية كآليات للتعاون الدولي، حيث يجب التركيز على مصادرة متحصلات الفساد التي تهرب عبر الحدود واستردادها، مما يتطلب التعاون الدولي الفعال. ومن المهم جدا تطوير مفهوم الولاية القضائية ذات المعيار الدولي ولا سيما مع تطور وسائل الاتصالات الحديثة وتعقدها كالإنترنت وآلية التحويلات المصرفية الفورية، بحيث يشمل جرائم الفساد الممنهج وبحيث لا تحدها حصانة مسؤولي الدول، مع ضرورة إعداد قاعدة بيانات مركزية على المستوى الإقليمي والدولي لرصد تمظهرات ظاهرة الفساد. ولعل من المفيد أن تقوم لجان مراجعة دولية أو مختلطة بمراجعة كل الأعمال والإجراءات الإدارية والمالية التي جرت في فترة الانقسام المؤسسي.

3.5 السياسات العامة في مواجهة الفساد

وحيث إن علة تجريم الفساد المصلحة العامة، التي من أهم تجلياتها: نزاهة الموظفين العموميين، فهذا يفصح عن أن العلاج لن يكون بالقانون الجنائي فقط بل يلزم رؤية شاملة لظاهرة الفساد:

  • تبدأ بمعالجة اختلالات المنظومة القيمية للمجتمع الليبي وخلق ثقافة أساسها الوضوح والإفصاح وحرية التعبير والمساءلة، وخلق بيئة أكثر تحديًا للفساد، لذلك كان من الضروري ترسيخ مبدأ الشفافية وتعزيزه بوصفه من أهم الوسائل لمكافحة الفساد، والوسيلة الناجحة لتطبيق هذا المبدأ هي التوعية والتثقيف عبر وسائل الإعلام وعبر المناهج الدراسية وكافة وسائل التثقيف المجتمعية. والشفافية ليست غاية بذاتها بقدر ما هي وسيلة تساعد على عملية المحاسبة والرقابة مما يحقق غاية النزاهة. الشفافية حق أصيل للمواطن تلتزم به الدولة تجاهه، وهي دلالة على رشد الحكم وديمقراطية الدولة.
  • ولعل من المهم أن نؤكد أن التعليم من سبل التنشئة الجديرة بتصحيح الانحراف في القيم الاجتماعية والفردية بحيث تعود الأمانة إحدى الفضائل السامية الجديرة بالتقدير والثناء وتعود العفة المادية والمعنوية ديدنا للأفراد والجماعات، ويحل على الفساد مقت عام واشمئزاز لدى الوسط الاجتماعي الليبي بحيث يقيم رذيلة تستوجب العار والذم، كما أن للتعليم دورًا في نشر الوعي بين المواطنين بحقوقهم الأصيلة في الخدمة مجانًا بدون الوقوع فريسة ابتزاز الموظفين والاضطرار إلى رشوتهم.
  • من المفيد تضمين خطب الجمعة وخطب المناسبات الدينية الدعوة إلى نزاهة العمل الإداري؛ لكونه وظيفة اجتماعية لخدمة المجتمع والحفاظ على المال العام، ويحبذ إصدار فتاوى دينية تحرم مظاهر الفساد بالاستناد إلى آيات القرآن الكريم وسنة النبي المصطفى، وتفضح أساليبه وتنبه لآثاره المدمرة للدولة والمجتمع، وذلك بغية تقوية الوازع الديني لدى المواطنين آلية الحماية المتبقية في غياب الواعز القانوني.
  • وحين ندعو إلى أهمية وسائل الإعلام في كشف الفساد والفاسدين، فذلك لأن عمل الصحافة الاستقصائية خاصة والإعلام بصورة عامة إذا مورس بمهنية واحتراف واستند إلى وثائق مدعمة وبيانات وأدلة سيكون وسيلة رقابية وآلية ضغط، ولذلك يلزم أن تضمن الدولة الحرية والاستقلال لوسائل الإعلام وتضمن سلامة العاملين فيه من أنواع الإكراه المادي والمعنوي، مع وجوب توكيد ضرورة إلزام العاملين في السلطة الرابعة بميثاق أخلاقيات المهنة من خلال نقاباتهم المسؤولة عن مدى نزاهتهم وصدقيتهم.
  • وأخيرًا لا يفوتنا تأكيد أهمية المراكز البحثية والمؤسسات الأكاديمية، من حيث وجوب توجيه الدراسات والأعمال البحثية والنشاطات الأكاديمية لدراسة ظاهرة الفساد ولتقديم رؤية شاملة لمكافحته ووضع خطة استراتيجية قصيرة ومتوسطة وطويلة الأمد لمواجهته وللوقاية منه.

Print Friendly, PDF & Email