Defender Center for Human Rights

معنفات داخل مخيمات النزوح في ليبيا

25 مايو 2021

مرام محمد[i]

مقدمة

شهدت ليبيا منذ 2011 موجات نزوح متعددة، نتجت عن اندلاع أكثر من صراع مسلح في مناطق مختلفة، غير أن وجهة النزوح كانت تختلف في كل مرة وكذلك مدته؛ فحسب تقارير منظمة الهجرة الدولية عن حركة النزوح الداخلي الناجمة عن الصراع العسكري الذي شهدته البلاد خلال عامي 2019-2020، كانت المدارس ( 32%) النوع الأكثر شيوعًا من المساكن التي اتخذها النازحون مسكنًا لهم، تليها بنسبة قريبة الإقامة لدى أسر مستضيفة ( 30%) أو في مساكن مستأجرة (29%) و (2%) في ملاجئ مؤقتة. جدير بالذكر أن تلك الإحصاءات استندت إلى بيانات نظام التسجيل الوطني للنازحين الخاص بوزارة الدولة لشؤون النازحين والمُهجّرين، ولكن بالنظر إلى حركات النزوح طويلة الأمد، التي لم يتمكن فيها النازحون من العودة إلى مناطقهم حتى بعد انتهاء الصراع؛ وذلك بسبب الدمار الذي لحقها – كما شهدنا مع النزوح من منطقتي تاورغاء وككلة، وهما حالتان أقرب للتهجير القسري – فإن المخيمات هي النوع الأكثر شيوعًا.

واستنادًا إلى المفوض السامي لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة؛ فإن عدد المُهجّرين من تاورغاء يقدر بـ 35 ألفًا في كافة أنحاء ليبيا، ورغم اتفاق السلام وبحسب “المنظمة الدولية للهجرة”، لم يتجاوز عدد العائلات التي حاولت الاستقرار بالمدينة 100 تقريبًا. وقد تفرّق بعضهم في مناطق مختلفة، وغالبيتهم لا يزالون يتوزعون بين مخيمات طرابلس (مخيم الأكاديمية البحرية، مخيم الفلاح1، الفلاح2، وأسر موزعة في عمارات جميعة الدعوة الإسلامية) ومخيمات بنغازي (مخيم قاريونس، الرياضية، الحليس، الأنابيب، وبوهديمة)

ومنذ 2011، يتعرض أهالي المخيمات لاعتداءات متكررة وحوادث عنف، خاصة في المنطقة الغربية من قبل مليشيات وجماعات مسلحة تابعة للسلطات تتنوع بين الخطف والقتل والإخفاء القسري، غير أن هذه الأنماط من العنف ليست الوحيدة في بيئة المخيمات، إذ توجد هناك أنواع أخرى من ممارسات العنف تحدث داخل تلك المخيمات، ولا تقل خطورة عن حوادث العنف الأخرى، ولكنها لا تحظى بالاهتمام اللازم من قِبَل المسؤولين، حتى عندما يتحدثون عن معاناة النازحين في المخيمات. ونشير في هذا الإطار إلى منشور مديرية أمن طرابلس في 2 مارس 2021 على صفحتها الرسمية على فيسبوك وكان تحت عنوان (القبض على متحرش في مخيم النزوح)، أعلنت فيه عن قيامها بـ “إلقاء القبض على (ع) على خلفية قيامه بالتحرش بابنة زوجته والتي تقدمت بشكوى ضده كونه قام بالتحرش بها ومحاولة اغتصابها بالقوة بداخل مخيم نازحين تاورغاء، وخلع عنها عنوة ملابسها، غير أنها تمكنت من الهرب منه والحضور للمركز…”.

وبالرغم من إشارتها في ذات المنشور إلى أن ظاهرة التحرش الجنسي لا تقتصر على منطقة معينة (المخيمات) بل باتت موضوعًا عامًا؛ فإن من المعلوم أنه في حالات الطوارئ والكوارث، خاصة في مخيمات النزوح، ترتفع معدلات العنف المبني على النوع الاجتماعي المرتكب ضد النساء والفتيات، وتتعدد أنماطه، ومن بينها العنف الجنسي، ولكن لا توجد أي أرقام إحصائية حقيقية لحالات العنف الذي تتعرض له النازحات، سواء داخل المخيمات أو خارجها؛ نتيجة عدم الإبلاغ عن هذه الحالات لأسباب مختلفة، تتعلق بمخاوف الناجيات وعدم ثقتهن في العاملين بالقطاع الأمني والاجتماعي؛ نتيجة التكوين النمطي للعاملين المبني على لوم الناجية، كما تُعرِّض الناجية وأسرتها للوصم المجتمعي نتيجة الإبلاغ عن الواقعة، بالإضافة إلى المخاوف النفسية للناجية ذاتها بسبب غياب مراكز حماية وإيواء الناجيات وضعف الضمانات القانونية.

خطط الاستجابة

إن عدم وجود إحصائيات لأعداد الناجيات من العنف المبني على النوع الاجتماعي داخل المخيمات أو خارجها، ولأن النازحات يمثلن فئة من الفئات المهمشة والمستضعفة، لذلك تضعهن المنظمات العاملة في القطاع الإنساني ضمن خطط استجابتها الإنسانية في ليبيا، فمن بين 153,000 شخص يعانون من خطر العنف المبني على النوع الاجتماعي، سيستهدف شركاء مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية 54,000 شخص 60% منهم نساء و30% فتيات، وذلك يشمل 16,000 في مخيمات النزوح و1,000 من فئة العائدين من النزوح حسب خطة الاستجابة الإنسانية المعلنة في يناير 2021 .

وهذا التركيز من قبل وكالات الأمم المتحدة يبدو واضحًا من خلال انضمام برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ووزارة الداخلية إلى جهود الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي في ليبيا من خلال تدريبات تقدم إلى ضباط وضابطات التحقيق مهارات لدمج منظور النوع الاجتماعي أثناء قيامهم بعملهم، وفي هذه المناسبة صرح نائب مدير مديرية أمن طرابلس السيد عبد الحكيم صمود: ”أن رصد أشكال العنف داخل الأسرة من بين المسؤوليات الموكلة إلى وزارة الداخلية للحفاظ على السلام والأمن في المجتمع. من خلال قسم شرطة المرأة ووحدة حماية الأسرة والطفل، تتعامل الوزارة مع قضايا العنف الأسري بمساعدة متخصصين. علاوة على ذلك، فهي تدعم المبادرات التي تهدف إلى زيادة الوعي بالعنف القائم على النوع الاجتماعي وتحسين مهارات موظفيها لإنفاذ القانون والاستجابة له”.

كما أعلن صندوق الأمم المتحدة للسكان عبر موقعه  في اليوم العالمي للمرأة في 2019 عن إطلاق خدمة الخط الساخن “1417”، عبر الشريك المنفذ فريق الدعم النفسي الاجتماعي وتحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية بدعم من فرنسا، لتقديم خدمات الدعم النفسي الاجتماعي والاستشارات القانونية حول الانتهاكات العاطفية والمشاكل الأسرية خُصوصًا للفئات المستضعفة والناجيات من العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي”.

تقول عاملة اجتماعية[1] في أحد فرق الدعم النفسي والاجتماعي المستهدفة لمخيمات النزوح: إن خطط الاستجابة الإنسانية لا توفر حلولًا حقيقية للناجيات، وإن أقصى ما يمكنها تقديمه لهن بشكل عام هي خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، بالرغم من وجود قصص عديدة لممارسات عنف ضد النازحات تحتاج إلى تدخل عاجل؛ لذا فإن غالبية الناجيات لا يرغبن في مواصلة المشاركة في الجلسات (وهي تشمل الاستشارات النفسية والاجتماعية والقانونية والإحالة وإدارة الحالات[2]) باعتبارها لا تقدم حلولًا لاحتياجاتهن الأمنية والمالية للتنقل والوصول إلى الخدمات الصحية أو المعيشية وغيرها، وهذا ما يدفعهن إلى التعايش مع واقع العنف الذي يعشنه، كما أن الإبلاغ عن تلك الوقائع من شأنه مفاقمة معاناتهن وتصعيد العنف الممارس ضدهن، خاصة العنف الجنسي أو الإيذاء البدني. وهذا ما يجعل الجناة أكثر جرأة على تكرار ما يرتكبونه من انتهاكات لتيقنهم من صمت الناجيات ومن أنهم سيظلون بمنأى عن المحاسبة ومستمتعين بالإفلات من العقاب.

كما أن سوء البنية التحتية للمخيمات تشجع الجناة على ارتكاب هذه الجرائم، تقول إحدى النازحات (مُعلمة رفضت نشر اسمها) في مخيم تاورغاء الأكاديمية البحرية “نستعمل في المخيم دورات مياه مشتركة ومختلطة للأسر القاطنة في كل مبنى، وإن باب دورة المياه غير مزود بقفل، ومِنْ ثَمَّ فإذا رأينا على الباب منشفة معلقة نعلم أن رجالًا بداخلها وإلا كن نساء، وإن حوادث تحرش كثيرة تحدث نتيجة ذلك حتى داخل المبنى المخصص كمدرسة؛ وذلك لتغيب المدرسات والمدرسين، وإن المبنى غير مجهز ليكون بيئة آمنة ودراسية. وبسبب عدم توافر إضاءة بين قواطع المخيم فمن الخطر التنقل ما بعد فترة الغروب. نحن نعلم من يقوم بالمضايقة، ومن هم المتحرشون، ولكننا نحتاج إلى توعية الرجال بالمخيم”.

وعند سؤالي لكليهما عن حالات العنف الأسري اتفقتا على أنه من واقع ما يحدث داخل المخيم، ومن خلال تفاعل النساء مع حملات التوعية المقامة داخل المخيمات، فإن العنف الأُسري يحظى بالقبول الاجتماعي لدى الأسر داخل المخيم، على عكس أنماط العنف الأخرى؛ ففي نظرهم يساهم العنف الأسري في تربية الفتيات والنساء وتقويم سلوكهن، وربما يرجع ذلك إلى غياب الوعي بأن هذه السلوكيات تمثل أحد أنماط العنف.

غياب وعي أم رضوخ اجتماعي

نشرت صحيفة المرصد الليبية تصريحات لوزيرة العدل زادت من خيبة آمال الليبيات والناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي، وهدمت سقف تطلعاتهن في التمثيل النسوي لحكومة الوحدة الوطنية، وذلك خلال لقائها مع المندوبة الأممية لهيئة المرأة حيث صرحت “أن القوانين الليبية لا تميز في المعاملة بين الرجل والمرأة” وأن “القانون الليبي ضمن للمرأة حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية”. في الحقيقة يصعب تحديد ما إذا كانت تصريحات الوزيرة نابعة من الرضى عن المراكز القانونية للمرأة في التشريعات الليبية، أم لكسب بعض التأييد في مجتمع يكتسحه الفكر الذكوري.

وقد لاقت تصريحات الوزيرة استهجانًا شديدًا من قبل المدافعات النسويات الليبيات، باعتبار أن بعض التشريعات تكرس العنف المبني على النوع الاجتماعي ضد النساء، وهو أمر جلّي حتى لغير ذوي الاختصاص فما البال بوزيرة العدل.

وأخيرًا، فإن الحراك التوعوي الفردي على منصات التواصل الاجتماعي لا يزال أكثر جرأة من حراك المنظمات على الأرض، وذلك فيما يتعلق بموضوع العنف القائم على النوع الاجتماعي. كما أن أغلب الجلسات التوعوية والمساحات الآمنة المخصصة للفتيات والنساء  النازحات لا تستهدف الرجال، بالرغم من ترحيب قادة المخيمات بأهمية توعية الرجال والأولاد حول موضوعات العنف القائم على النوع الاجتماعي، خاصة مع زيادة عدد وقائع التحرش والاعتداءات داخل المخيمات.

إن غياب الوعي بأن العنف القائم على النوع الاجتماعي هو صورة من صور انتهاكات حقوق الانسان يزيد من تفشيه وتطبيعه في ثقافة المجتمع حتى على صعيد صناعة القرار، لذلك لا بد من جهود متكاثقة تركز على:

  • تركيز جهود النشطاء والناشطات الحقوقيين على التوعية بموضوعات العنف القائم على النوع الاجتماعي، داخل المخيمات وخارجها، بوصفه انتهاكًا من انتهاكات حقوق الإنسان (حقوق المرأة).
  • تناول وسائل الإعلام لقصص الناجيات بوصفها قصصًا ملهمة، والاستعانة بخبرات حقوقية واجتماعية ونفسية عند إجراء المقابلات معهن وتوفير مساحات آمنة لهن للتحدث عن قصصهن، وابتعاد التغطية الإعلامية عن تبرير الجرائم ولوم الناجيات.
  • دعم وتمويل المبادرات التي تهدف إلى تحسين وصيانة البنية التحتية للمخيمات (الكهرباء، الماء، الحمامات …إلخ) للتقليل من فرص الجناة، في ظل غياب دور السلطات في توفير الحماية والأمن داخل المخيمات.
  • كذلك على منظمات المجتمع المدني العمل على رصد الحالات ونشر الأرقام والإحصائيات لتسليط الضوء على حجم هذه الظاهرة داخل المخيمات.
  • دعم جهود النساء العاملات في مجال العنف القائم على النوع الاجتماعي سواء الجهود التوعوية أو البحثية أو الخدمية وتوفير الحماية اللازمة لهن أثناء قيامهن بأعمالهن داخل المخيمات أو خارجها.

[1] لم تكشف المؤلفة عن الاسم وفقًا لطلب المصدر.

[2] الإحالة إلى منظمة أخرى تعمل في سياق العنف المبني على النوع الاجتماعي باستعمال المسار المخصص بين وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الشريكة لها فقط. أما إدارة الحالة فهو النهج أو أسلوب التعامل مع الناجيات من العنف والمعتمد أيضا من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الشريكة لها العاملة في مجال العنف المبني على النوع الاجتماعي للنساء والأطفال خاصة .

[i] ناشطة حقوقية.