Defender Center for Human Rights

    ليبيا: نحو إصلاح علاقة مفوضية المجتمع المدني بمنظمات حقوق الإنسان 

07 مايو 2021

محمّد السنوسي [i]

 

مقدمة

تتسم العلاقة بين مفوضية المجتمع المدنيّ في ليبيا، ومنظمات حقوق الإنسان بأنّها علاقة معقّدة. فهي أوّلا: غير واضحة المعالم؛ نتيجة عدم التزام المفوضية باختصاصاتها، وغياب قانون ينظم عمل المجتمع المدني، وتدخّل جهات أخرى في عمل المفوضية والمنظمات والجمعيات الأهلية؛ وثانيّا: فبسبب حداثة تجربة المجتمع المدني الليبي؛ نجد أن كثيرا من المنظمات غير الحكومية والناشطين المدنيّين يعملون دون دراية كافية بحقوقهم القانونية وسقف تحرّكاتهم وعملهم. وفي هذا الإطار، يسعى هذا المقال إلى تسليط الضوء على ممارسات المفوّضيّة التي قد تؤدي إلى تقييد عمل منظمات حقوق الإنسان. `

نظرة عامة على نشأة ودور مفوضية المجتمع المدني

مفوضية المجتمع المدني “هي الجهة المخوّلة قانونًا بقيد وإشهار الجمعيّات والمنظّمات والمؤسّسات المدنيّة”. ومِن ثَمَ فهي “سلطة حكومية تُشرف على تنظيم عمل المجتمع المدني”. وتأُسّست المفوّضيّة في 2012 وفق قرار مجلس الوزراء للحكومة الانتقاليّة (المنبثقة عن المجلس الوطني الانتقالي) رقم 12 لسنة 2012، تحت اسم “مركز دعم منظمات المجتمع المدني” وحُدِّدت اختصاصات المركز (المفوضية لاحقًا)، وأُقرّ له: الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة، كما قُرّرت تبعيّته إلى وزارة الثقافة والمجتمع المدني.

لاحقًا، أصدر المجلس الرئاسي (المنبثق عن اتفاق الصخيرات، وحكومة الوفاق الوطني) قرارًا جديدًا بشأن “تنظيم مفوّضية المجتمع المدني وتقرير بعض الأحكام” وحمل رقم 1605 لسنة 2018. وقد أكدت المادة الثانية من القرار “الشخصية الاعتبارية والذمة المالية المستقلة” للمفوضية، ومنحها سلطة “إنشاء فروع أو مكاتب وفقًا لحاجة العمل”، كما أكد القرار تبعية المفوضية لمجلس الوزراء. وأشارت المادة الثالثة إلى أن اختصاصات المفوضية تشمل “تعزيز حرية المواطنين في تأسيس منظمات المجتمع المدني غير الحكومية والانضمام إليها، المحافظة على القواعد الدولية والمبادئ العامة التي وضعتها المواثيق الدولية الموقعة عليها الدولة الليبية”

وبالرغم من أن القرار 1605 المذكور أعلاه ينص على ضرورة “المحافظة على القواعد الدولية والمبادئ العامة التي وضعتها المواثيق الدولية الموقعة عليها الدولة الليبية فيما يخص نشاط المفوضية”؛ فإنه على صعيد الممارسة نجد أن المفوضية واللوائح المنظمة لعملها، لا تلتزم باحترام المعايير الدولية لحرية التنظيم وتكوين الجمعيات. على سبيل المثال، يجب على المنظمات، وفقا للمادة 57 في باب المنظمات الأجنبية من القرار 286 لسنة 2019، إخطار المفوضية مسبقًا وفي مدة لا تقل عن أسبوعين في حال رغبت في تنفيذ أي نشاط، بما في ذلك الندوات والمؤتمرات وورش العمل والحملات وأعمال الدعاية والنشر. وينبغي أن تقوم المنظمة بتزويد المفوضية ببيانات عن المستهدفين بالنشاط، ومعايير اختيارهم، ومحتوى المطبوعات والأعمال الدعائية. ونلاحظ في هذه المادة أن المفوضية أصبحت تحظى بسلطة واسعة وشرعية، تسمح لها بالتدخل في أنشطة المنظمات وتقييد حريتها. وفيما يتعلق بجمع “بيانات المستهدفين”؛ فتثير المخاوف بشأن تعرض المشاركين في أنشطة المنظمات – سواء من المدافعين عن حقوق الإنسان أو غيرهم – للتحقيق أو مشكلات ذات طبيعة أمنية.

ومؤخرًا أضافت مفوضية المجتمع المدني مستندًا جديدًا إلى أوراق تسجيل الجمعيات وتجديد الترخيص، حيث يتم إجبار مؤسسي المنظمات على توقيع ورقة يتعهدون فيها بـ “عدم التعامل مع السفارات والقنصليات الأجنبية في الداخل والخارج والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية بكافة صور التعامل سواء كان ذلك بعقد الاجتماعات واللقاءات، أو توجيه الدعوة لهم، أو تلبية دعواتهم، أو توقيع أي اتفاقيات أو معاهدات أو عقود بشكل عام ]…[ إلا بعد الرجوع وطلب الإذن والموافقة من مفوضية المجتمع المدني وكذلك الجهات ذات العلاقة وفقًا للتشريعات والقوانين الليبية”. وبالرغم من أن التعامل مع السفارات والقنصليات يقع في صلب عمل منظمات المجتمع المدني؛ فإن المفوضية تسعى لمنعها من ممارسة هذا الحق ومن التواصل الفعّال مع الشركاء الإقليميين والدوليين، خاصة فيما يتعلق بوضع حقوق الإنسان في البلاد. علاوة على ذلك، فإن هذا القيد التعسفي من شأنه حرمان المجتمع المدني الليبي من اكتساب الخبرات التي يحتاجها لتطوير وبناء قدراته.

ووفقًا لمركز مدافع لحقوق الإنسان، توجهت مفوضية المجتمع المدني إلى إدارة القانون، وهي هيئة قضائية تتبع المجلس الأعلى للقضاء، لاستطلاع رأي الإدارة حول مدى أحقية المفوضية في وضع ضوابط عمل منظمات المجتمع المدني المحلية والأجنبية غير الحكومية، وفقًا لما جاء بنموذج التعهد. وفي 4 نوفمبر 2020 قام المستشار محمود الكيش، رئيس بإدارة القانون، بالرد بما يدعم قرارت المفوضية، إذ يرى أنه لا يجوز للجمعيات الأهلية إجراء أي اتصال بالجهات الأجنبية “إلا عن طريق وزارة الخارجية”. وجدير بالذكر أن الأساس القانوني الذي تم الاستناد إليه للوصول لهذه الخلاصة المثيرة للجدل هو القانون رقم 2 لسنة 2001 الخاص بالعمل السياسي والقنصلي. وبالرغم من كل هذا، فإن التوقيع على “التعهد” لا يضمن الموافقة على إصدار الترخيص أو تجديده.

وتتناقض تلك الممارسات مع فكرة المجتمع المدني؛ إذ تضع مزيدًا من القيود والعراقيل على نشاطه، وتُضّيق الخناق على حرية تكوين الجمعيات التي تكاد تفقد استقلاليتها خلال محاولة إخضاعها لسيطرة الدولة، ممثلةً في مفوضية المجتمع المدني.

الحاجة إلى قانون للجمعيات الأهلية

إن غياب قانون ينظم عمل مؤسسات المجتمع المدني في ليبيا، ويكون ملتزمًا بالمعايير الدولية لحرية التنظيم وتكوين الجمعيات، يُعَدُّ سببًا رئيسًا في العراقيل التي تواجه عمل المجتمع المدني، إذ باتت المنظمات ضحيّة اللوائح وما تفرضه من قيود تفرضها السلطات السياسيّة وفقًا لمصالحها. وبالإضافة إلى المفوضية، تتعرض المنظمات غير الحكومية، لا سيّما تلك العاملة في مجال حقوق الإنسان، لانتهاكات جهات أخرى رسميّة مثل الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية، وغير رسميّة “المجموعات المسلحة المختلفة”.

في هذا السياق، أعرب محمد أبو عرابة، وهو ناشط مستقل ومدافع عن حقوق الإنسان في مدينة طرابلس، عن موقفه تجاه العراقيل التي تواجه منظمات المجتمع المدني ومدى تأثير ممارسات المفوضية في الحق في تكوين الجمعيات: شهدت طرابلس قبل إصدارالقرار رقم 286 لسنة 2019 مساحة شبه حرة لمنظمات المجتمع المدني والمؤسسات والجمعيات الخيرية؛ الأمر الذي أتاح لها إنشاء كياناتها المستقلة وإقامة فعالياتها بشكل مستقل وحر. ولكن بعد هذا القرار صُدمنا بمجموعة من الشروط التي تقيّد عملنا. وقد تفاقمت القيود بعد فرض التوقيع على “التعهد” بعدم التعامل مع أي أطراف أجنبية أو تلقي منح ومعونات إلا بعد موافقة المفوضية.

وفيما يخص إجراءات المفوضية المتعلقة بعمل الجمعيات وإصدار التراخيص وتجديدها، قال أبو عرابة: يجب على المفوضية تعديل القوانين والقرارات؛ لأنها ساهمت في تقليص والحد من أنشطة المنظمات داخل مجتمعاتها؛ حيث لا توافر لها الحماية اللازمة للقيام بأنشطتها، وتعرضها للمساءلة من قبل الأجهزة الأمنية دون أي وجه حق، كما أن إجبار المنظمات على توقيع  “التعهد”، يفقدها استقلالها و يؤدي إلى تقييد تحركاتها وعرقلة أنشطتها.

وفيما يتعلق بسبل تحسين العلاقة بين المفوضية والمنظمات وكيفية بناء الثقة بين الطرفين، أكد أبو عرابة ضرورة “مد جسور الثقة بين المجتمع المدني والدولة أولاً، والمتمثلة في رئاسة الوزراء والبرلمان، وثانيًا تحسين العلاقة بين المنظمات ومفوضية المجتمع المدني؛ عبر صياغة قوانين مرنة تحفظ للجمعيات حقها في ممارسة مهامها وأداء عملها، وحمايتها من تدخلات المؤسسات الأمنية والمجموعات المسلحة”.

ولا تقتصر تلك الممارسات القمعيّة ضد منظمات المجتمع المدني، على ما تمارسه المؤسسات الأمنيّة؛ بل امتدّ ذلك إلى المؤسسات الدينيّة أيضا، ممثّلة في “الهيئة العامة للأوقاف” التي هاجمت منظمة “تاناروت” ببنغازي بسيل من الفتاوى والتهديدات والتلفيقات والتحريض، حيث اتهمت المنظمة بـ “الإساءة للدين الإسلامي” وبأنها من “أذناب الغرب”؛ الأمر الذي أسفر عن استعداء الرأي العام ضدّ المنظمة والعاملين فيها.

وقد حدث الهجوم على تاناروت وسط تقاعس من مفوضية المجتمع المدنيّ التي يُفترض منها أن تسعى إلى “توفير البيئة والمناخ الملائم لعمل المنظمات المحلية والأجنبية في أداء أنشطتها وبرامجها داخل ليبيا، تعزيز حريّة المواطنين في تأسيس منظمات المجتمع المدني، المحافظة على القواعد الدولية والمبادئ التي وضعتها المواثيق الدوليّة الموقعة عليها الدولة الليبية فيما يخص نشاط المفوضية”. هذا التقاعس والضعف في أداء دورها الأساسي واختصاصاتها القانونية في تنظيم المنظمات غير الحكومية، سمح لجهات أخرى بالتوغّل وملء الفراغ؛ مثل بعض الممارسات التي تقوم بها وزارة الداخليّة وبعض الجهات التابعة لها. وفي النهاية، تدفع منظمات حقوق الإنسان الثمن بوقوعها تحت طائلة مزيد من الانتهاكات، دون أن تتخذ مفوضية المجتمع المدني أية خطوات ملموسة لحمايتها أو مساءلة الجهات المنتهِكة.

خاتمة

من أجل تعزيز حرية تكوين الجمعيات والقضاء على العراقيل التي تواجه منظمات حقوق الإنسان واستقلالها وإصلاح العلاقة بين مفوضية المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية – لا بد من إصدار قانون ينظم عمل المجتمع المدني، بما يتماشى مع المعايير الدولية، وبالتشاور مع منظمات حقوق الإنسان الليبية، والاستفادة من الجهود التي بذلتها في هذا الصدد خلال السنوات الأخيرة. هذا بالإضافة إلى اتخاذ خطوات ملموسة لتوحيد مجلسي إدارة مفوضية المجتمع المدني في طرابلس وبنغازي؛ لتصبح مؤسسة رسمية واحدة تخدم العمل المدني والأهلي والخيري في كل ربوع ليبيا. وأخيرًا، لا بد من توافر الإرادة السياسية لتوفير بيئة عمل آمنة للمدافعين عن حقوق الإنسان، ووقف التحريض ضدهم في وسائل الإعلام، وكذا إيقاف استغلال الفتاوى الدينية في الهجوم على النشطاء والمنظمات، بالإضافة إلى حماية منظمات المجتمع المدني والعاملين فيها من تدخلات الأجهزة الأمنية ومضايقات المجموعات المسلحة.

[i] كاتب من ليبيا.