ليبيا: كلمة الأمين العام للأمم المتحدة أمام مجلس الأمن

كلمة الأمين العام للأمم المتحدة أمام مجلس الأمن بشأن الوضع في ليبيا عبر الاتصال المرئي المفتوح 8 تموز/ يوليو 2020، الساعة 11:00 صباحاً

[نص الكلمة كما أدلي بها]

(ترجمة غير رسمية)

أصحاب السعادة، السيدات والسادة،

معالي الوزير ماس، اسمح لي أن أستهل بتوجيه الشكر لكم ولرئاسة ألمانيا على إتاحة هذه الفرصة لإطلاع المجلس على الوضع في ليبيا بهذا الشكل الموسع.

ينعقد هذا الاجتماع الهام اليوم- بعد مضي ستة أشهر على انعقاد مؤتمر برلين الدولي المعني بليبيا – ليضم أعضاء مجلس الأمن المشاركين في مسار برلين ويتيح الفرصة لتجديد الالتزام بالمبادئ التي تم الاتفاق عليها في برلين والتي جسدها مجلس الأمن في قراره 2510.

أصحاب السعادة،

الوقت ليس في صالحنا في ليبيا.

فقد دخل النزاع مرحلة جديدة مع التدخل الأجنبي الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة، بما في ذلك في إيصال المعدات المتطورة واعداد المرتزقة المشاركين في القتال.

ومنذ آخر احاطة قدمتها ممثلتي الخاصة بالإنابة إلى مجلس الأمن في 19 أيار/ مايو، شهدنا تراجعاً في الخطوط الأمامية “للجيش الوطني الليبي” في طرابلس وسيطرة حكومة الوفاق الوطني على قاعدة الوطية الجوية وعلى ترهونة وبني وليد.

وواصلت الوحدات التابعة لحكومة الوفاق الوطني، بدعم خارجي كبير، تقدمها في اتجاه الشرق وهي الآن تتواجد على بعد 25 كيلومتراً الى الغرب من سرت، ذلك بعد محاولتين سابقتين للسيطرة على المدينة. ولا يزال الوضع على الخطوط الأمامية هادئاً في معظمه منذ 10 حزيران/ يونيو.

بيد إننا نشعر بقلق بالغ إزاء التحشيد العسكري المفزع حول المدينة، وارتفاع وتيرة التدخل الأجنبي المباشر في النزاع في انتهاك لحظر التسليح الذي فرضته الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والالتزامات التي تعهدت بها الدول الأعضاء في برلين.

إضافة إلى ذلك، قامت طائرات مقاتلة مجهولة الهوية بشن هجوم على قاعدة الوطية الجوية وذلك يوم الأحد الموافق 5 تموز/ يوليو.

وفي هذا السياق القاتم، لا بد من اغتنام جميع الفرص المتاحة لكسر الجمود السياسي.

وتعكف بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا على بذل الجهود بهدف خفض التصعيد، بما في ذلك إنشاء منطقة منزوعة السلاح إن أمكن، وذلك بغية التوصل إلى حل عبر الحوار وإنقاذ الأرواح.

وقد شهدت الأوضاع السياسية في شرق ليبيا بعض التحركات التي تشير إلى تجدد التأييد لإيجاد حل سياسي للنزاع، كما يتضح من مبادرة رئيس مجلس النواب في 23 أيار/ مايو وإعلان القاهرة الصادر في 6 حزيران/ يونيو.

كما دعت حكومة الوفاق الوطني، ولا تزال، إلى إجراء انتخابات وطنية كحل للأزمة.

ومع ذلك، فإن هذه المنافذ تعتريها الهشاشة بالنظر إلى أن مواقف الأطراف لا تزال تحددها التطورات العسكرية والدعم المقدم من الجهات الخارجية.

وبالمثل، فقد أسفرت التطورات الأخيرة على الارض عن اتفاق الطرفين على استئناف اجتماع اللجنة العسكرية المشتركة 5 + 5 لمواصلة المناقشات حول مشروع اتفاق وقف إطلاق النار الذي قدمته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا في جنيف في شباط/ فبراير.

وخلال هذه الجولة الثالثة من المحادثات – التي استؤنفت في حزيران/ يونيو – عقدت ممثلتي الخاصة بالإنابة اجتماعين عبر الإتصال المرئي مع كل وفد على حدة، الأمر الذي أكد من جديد النقاط الرئيسية العملية لتوافق الآراء المحتمل.

وتركز المناقشات الجارية حالياً على نقاط التقارب بما في ذلك خروج المرتزقة الأجانب والتعاون المتين في مكافحة الإرهاب بين المؤسسات العسكرية والأمنية في جميع أنحاء البلاد ونزع سلاح المجموعات المسلحة في جميع أنحاء ليبيا وتسريحها والبحث في سبل إنشاء آلية ممكنة لوقف إطلاق النار تعكس الواقع الجديد على أرض الواقع.

وستواصل الأمم المتحدة العمل مع الطرفين للتوصل إلى وقف لإطلاق النار واستئناف العملية السياسية.

وفي الأيام الأخيرة، وعبر محادثة هاتفية أجريتها مع رئيس الوزراء، السراج، وفي مكالمة تلقيتها من المشير حفتر، وجهت نداء قوياً أدعوهما فيه إلى العمل سوياً وبشكل تام لضمان التوصل الى وقف فعال لإطلاق النار والإسراع بدفع العملية السياسية إلى الأمام.

وسوف تواصل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية – إلى جانب الجهات الفاعلة والمنظمات الإقليمية الرئيسية الأخرى والاتحاد الأوروبي – العمل معاً وبشكل وثيق لدعم شعب ليبيا في سعيه إلى تعزيز اقتصاده وأمنه ومستقبله السياسي.

وأحثكم على تقديم الدعم الجماعي.

وفيما يتعلق بمسار برلين، فقد عقدت ثلاث جلسات للجنة المتابعة الدولية هذا العام – وذلك في 2 نيسان/ أبريل، و13 أيار/ مايو و22 حزيران/ يونيو.

وتم تحديد هذا الشهر موعداُ للاجتماع المقبل.

وتعكف مجموعات العمل السياسية والأمنية والاقتصادية على العمل جميعاً بدأب وهي تساهم في الجهود التي تبذلها البعثة لتيسير الحوار الذي تقوده ليبيا وتمتلك زمامه.

أصحاب السعادة،

نتيجة الأنشطة العسكرية الأخيرة في جنوب طرابلس وترهونة، اضطر ما يقرب من 30 ألف شخص إلى الفرار من منازلهم، مما أدى إلى ارتفاع عدد النازحين في ليبيا إلى أكثر من 400 ألف نازح.

وعندما انسحبت قوات “الجيش الوطني الليبي” والمرتزقة المرتبطون به من ضواحي طرابلس الجنوبية، أفيد أنهم قاموا بزرع عبوات ناسفة وألغام، مما أدى إلى مقتل وإصابة مدنيين كانوا يرومون العودة إلى منازلهم فضلاً عن إصابة أفراد المنظمات الإنسانية غير الحكومية المكلفة بإزالة هذه العبوات القاتلة.

وتعمل الأمم المتحدة على تقديم الدعم للسلطات الوطنية في حملات التثقيف والتوعية بالمخاطر.

أصحاب السعادة،

في الفترة بين 1 نيسان/ أبريل و30 حزيران/ يونيو، وثقت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وقوع ما لا يقل عن 356 ضحية بين المدنيين، بما في ذلك 102 قتيل و254 جريح من المدنيين. ويمثل ذلك زيادة بنسبة 172 في المائة مقارنة بالربع الأول من عام 2020.

ومنذ بداية هذا العام، وثقت منظمة الصحة العالمية وقوع ما لا يقل عن 21 اعتداءاً على المرافق الطبية وسيارات الإسعاف والعاملين في المجال الطبي.

ومع انتقال خطوط القتال إلى وسط ليبيا، تزايدت الأعمال الانتقامية، ولا تزال وسائل التواصل الاجتماعي تُستخدم للتحريض على الكراهية والعنف مما يزيد من تصدع النسيج الاجتماعي الهش أصلاً.

وبعد استعادة حكومة الوفاق الوطني السيطرة على مدينة ترهونة، تم اكتشاف العديد من المقابر الجماعية.

لقد صُدمت من هول هذا الأمر وأذكّر مرة أخرى جميع أطراف النزاع في ليبيا بالتزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.

وأرحب هنا بقرار مجلس حقوق الإنسان إنشاء بعثة دولية لتقصي الحقائق في ليبيا للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان منذ بداية عام 2016 وتعزيز المساءلة.

كما أنوّه أيضاً إلى أن المحكمة الجنائية الدولية أعلنت أنها لن تتردد في التحقيق في جرائم الحرب والجرائم المحتملة ضد الإنسانية.

وفي 19 حزيران/ يونيو، استجابت الأمم المتحدة إلى طلب خطي من رئيس الوزراء، السراج، لدعم التحقيق في المقابر الجماعية.

وتعرب الأمم المتحدة عن استعدادها لتقديم المشورة بشأن إجراء التحقيقات وتأمين المقابر الجماعية والآليات الوطنية لمساعدة الضحايا.

أصحاب السعادة،

شهد الأسبوع الماضي، وتحديداً في 2 تموز/ يوليو، مرور عام على غارة جوية على مركز احتجاز تاجوراء أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 52 مهاجراً وإصابة 87 آخرين.

ومنذ ذلك الحين، يتواصل تعرض المهاجرين وطالبي اللجوء في ليبيا بشكل مستمر للاحتجاز التعسفي والتعذيب والعنف الجنسي والاختطاف لأجل الحصول على فدية والسخرة والقتل غير المشروع.

كما يساورني قلق بالغ إزاء المخاطر التي يواجهها المهاجرون واللاجئون وطالبو اللجوء الذين يواصلون محاولاتهم عبور البحر الأبيض المتوسط.

ففي عام 2020، تم اعتراض أو إنقاذ أكثر من 5000 لاجئ ومهاجر في البحر وإعادتهم إلى ليبيا.

وقد أحتُجز العديد ممن تم اعتراضهم، مع بقاء ما يقدر بنحو 2100 مهاجر ولاجئ في مراكز الاحتجاز الرسمية، وذلك في ظروف مروعة في بعض الحالات.

يجب على السلطات أن تعزز جهودها على وجه السرعة من أجل إيجاد بدائل للاحتجاز في ليبيا والتوصل إلى حلول أكثر استدامة للمستضعفين من المهاجرين واللاجئين.

أصحاب السعادة،

تشكل جائحة “كوفيد-19” مصدر قلق متزايد في ليبيا. ففي شهر حزيران/يونيو وحده، زادت الحالات المؤكدة بمقدار سبعة أضعاف.

وبذلك يصل إجمالي الحالات المؤكدة إلى 1046 إصابة و32 حالة وفاة. وفي خضم النقص الحاد في عدة الاختبار، من المرجح أن يكون الحجم الحقيقي للوباء في ليبيا أعلى من ذلك بكثير.

إنني أشجع السلطات الليبية بقوة على اتباع خطة وطنية شاملة للتأهب والاستجابة، وهي خطوة بالغة الأهمية لضمان اتباع نهج متسق ومنسق لمكافحة الجائحة.

كما يجب رصد الموارد الكافية لتعزيز قدرة البلاد على إجراء الاختبارات وتعقب الأشخاص وعزلهم ومعالجتهم.

أصحاب السعادة،

مع زيادة حدة التوترات في وسط ليبيا، واصلت الأمم المتحدة التباحث مع الأطراف للحيلولة دون اتساع رقعة النزاع إلى منطقة الهلال النفطي الليبي التي تستمد منها البلاد ستين في المائة من مواردها النفطية.

وقد كلف الإغلاق الحالي للمنشآت النفطية بالفعل خسارة تقدر بأكثر من ستة مليارات دولار من العائدات، وألحق أضراراً بالبنية التحتية النفطية، وأوجد ظروف ارتفاع تاريخي لعجز في الميزانية يزيد على 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في ليبيا.

وبدعم من الدول الأعضاء، قامت البعثة بوساطة تهدف إلى إنهاء الإغلاق للمنشآت النفطية المفروض منذ كانون الثاني/يناير 2020، وذلك من أجل تجنيب هذه المنطقة ذات الأهمية الحيوية شبح النزاع المسلح بالكامل، وللتخفيف من الصعوبات الاقتصادية التي تتفاقم بفعل النزاع وجائحة كوفيد-19.

فقبل يومين، عقد الفريق العامل المعني بالشؤون الاقتصادية والمؤلف من المشاركين في مؤتمر برلين اجتماعاً عبر الاتصال المرئي مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط وأصدر بياناً مشتركاً دعماً للمؤسسة الوطنية للنفط مع استئنافها إنتاج النفط في جميع أنحاء ليبيا.

وقد أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط اليوم عن نيتها رفع حالة القوة القاهرة في ميناء السدرة النفطي في الشرق بغية السماح لإحدى الناقلات بتحميل النفط الخام المخزون حالياً. كما دعت المؤسسة إلى مغادرة جميع المجموعات المسلحة منشآت النفط الليبية على الفور. وإنني على ثقة بأن المجلس سيواصل دعم الجهود الرامية إلى إنهاء الإغلاق للمنشآت النفطية لما في ذلك من منفعة للشعب الليبي.

أصحاب السعادة،

بغية تحسين الشفافية في تخصيص موارد البلد الوفيرة، عملت البعثة بلا كلل من أجل إجراء مراجعة دولية لحسابات فرعي مصرف ليبيا المركزي.

وللأسف، لم تحقق عملية مراجعة الحسابات هذه التقدم المتوخى بسبب العراقيل التي تسبب بها العديد من المسؤولين المحليين الرئيسيين.

يحدث هذا على الرغم من أن السلطات القضائية الليبية نفسها اعتبرت أن عملية مراجعة الحسابات عملية قانونية، وذلك في حزيران/ يونيو من هذا العام.

أدعو مجلس الأمن إلى الاستفادة الكاملة من التدابير اللازمة من أجل ضمان الشروع في هذه العملية الأساسية في أقرب وقت ممكن.

السيد الرئيس،

لا تزال البعثة متواجدة في ليبيا رغم الظروف الصعبة.

إن تعيين ممثل خاص جديد من شأنه أن ييسر كثيراً جهود البعثة، وأعول على مجلس الأمن في التعجيل بهذه العملية.

وفي 10 آب/أغسطس، ستمرّ الذكرى السنوية الأولى للهجوم الذي وقع في بنغازي وأسفر عن مقتل ثلاثة من زملائنا الأعزاء، وهم حسين الهدار وكلايف بيك وسينيلولي (“تابس”) تابواتوسول، وإصابة اثنين آخرين.

ولم يتم بعد تحديد هوية مرتكبي الهجوم، غير أن هذه المأساة لن تثني الأمم المتحدة عن الوفاء بولايتها الرامية إلى إحلال السلام والاستقرار والازدهار في ليبيا ولصالح شعبها.

شكراً لكم.